sliderالفتاوى

التنقيب عن الآثار وبيعها.. جدل فقهي وتجريم قانوني

هَوَس البحث عن الثراء السريع

رصد وقراءة: جمال سالم

يعدّ هَوَس البحث عن الثراء السريع والمُريح مرضا أصاب الكثيرين، وخاصة من يقطنون في مناطق أثرية، مثل حي المطرية بالقاهرة، الذي شهد استخراج تمثالَين شهيرَين مؤخرا، مما رفع أسعار الأرض فيها إلي أرقام فلكية وبدأ البعض في هدم المنازل للتنقيب تحتها لعلهم يجدون المراد من ربِّ العباد، من كنوز معدنية نفيسة أو تماثيل وآثار يتم تهريبها وبيعها بالملايين!

واتّجه بعض الباحثين عن الثراء إلي الاستعانة بالسَحَرَة والدَجَّالين مما أدي الي حدوث كوارث بعضها مُضحك، ولكن شرُّ البَلِيّة ما يُضحك!

في البداية يؤكد عاطف مخاليف- عضو مجلس النواب عن دائرة المطرية- أنه تقدَّم ببيان عاجل إلى مجلس النواب، ومجلس الوزراء، للمطالبة بوضع ميزانية محدّدة وتكليف الوزارات المعنية مثل الآثار والأوقاف، لمطالبتهما بإخلاء 56 فدانًا بمنطقة المطرية لا يوجد بها سوى إشغالات بسيطة مثل ملعب كرة قدم وغيره، للبدء في التنقيب عن الآثار، خاصة أن إظهار تلك الآثار سيُساهم في إحداث تنمية اقتصادية للبلد.

عاطف مخاليف
عاطف مخاليف

اكتشافات مجهولة

أوضح أن البعثة الألمانية جاءت للتنقيب عن الآثار، وتمكّنوا من استخراج بعض الأشياء، وهناك اكتشافات أخري سيتم الإعلان عنها أيضًا، والأهم التركيز علي إمكانية الاعتماد على الموارد المصرية فقط في التنقيب والاستخراج.

تشديدات أمنية

من جهة أخرى، أعلن مصدر أمنى بوزارة الداخلية، أن هناك تشديدات أمنية موسَّعة فى مناطق المطرية وعين شمس، للتصدّي لأى محاولات للخروج عن القانون من خلال هدم المنازل بحثًا عن الآثار في تلك المناطق.

وخاصة بعد اكتشاف تمثالين ملكيين في منطقة سوق الخميس بالمطرية، ولن يُسمح بأي محاولات للعبث في الآثار والمُقتنيات الأثرية.

حيث أنه بعد اكتشاف التمثالَين واللذين يُعتبران أكبر تمثالَين تم اكتشافهما في المنطقة، ومنعا للمواطنين من البحث والتنقيب في المنطقة، اتخذت الحكومة إجراءات لمواجهة هوس التنقيب عن الآثار.

حماية الآثار

حيث انتهى المجلس الأعلى للآثار منذ عامين، من تعديل قانون حماية الآثار، ووضع مقترحات لتغليظ عقوبة السرقة، وتحديد مكافآت مالية لإعادة القطع المُكتَشَفة، للحد من عشوائية التنقيب عن الآثار التي زادت خلال السنوات الأخيرة، نتيجة للانفلات الأمني الذى شهده الشارع المصري.

ولهذا تم تعديل قانون حماية الآثار ودراسة تغليظ عقوبة سرقتها وتهريبها أو الإتجار بها، بحيث تصل عقوبة الحبس لمدة لن تقل عن 7 سنوات وقد تصل إلى 15 سنة أو المؤبَّد، إلى جانب زيادة قيمة الغرامات المالية لتصل إلى نحو مليون جنيه بدلاً من اقتصارها على مبلغ لم يكن يتجاوز الـ10 آلاف جنيه فيما قبل.

وكذلك دراسة تحديد مبلغ مالي للمكافآت لمن يجد قطعة أثرية ويقوم بتسليمها للوزارة من خلال تقدير قيمة الأثر وتحديد مكافأة رمزية للمواطنين المتعاونين في تسليم الآثار المكتَشَفة،

وتتراوح بين 10 آلاف جنيه وأكثر من 100 ألف جنيه، حسب قيمة القطع المكتَشَفة.

مشروع التعديل

د. على عبدالعال
د. على عبدالعال

هذا وقد أحال د. على عبدالعال- رئيس مجلس النواب- مشروع التعديلات الشهر الماضي إلى لجنة مشتركة من لجنة الثقافة والإعلام والآثار ومكاتب لجان الإسكان والمرافق العامة والتعمير والتعليم والبحث العلمي والإدارة المحلية.

جدل فقهي

على جانب آخر، شهدت فتاوي حكم الشرع في التنقيب وبيع الآثار اختلافات فقهية، فمنذ سنوات أثارت فتوي شهيرة للداعية الإسلامي الشيخ محمد حسان، حول بيع الآثار التي يجدها الشخص في أرضه، وقامت الدنيا ولم تقعد وتم تقديم بلاغ ضد الشيخ حسان الذي نفي أن يكون قد دعا في فتواه إلى تحطيم الآثار، كما حُرِّفت فتواه، مُدَلِّلاً على ذلك بموقفه القديم من حادثة تحطيم طالبان لأصنام بوذا.

الآثار.. إرث

وأوضح الشيخ محمد حسان أن فتواه ليست عامة وحدث فيها التباس لأن الآثار إرث إنساني أو حضاري، وبالتالي يجب إخراج الآثار من حكم الركاز- الذي تم بناء الفتوي السابقة بناء عليه- وبالتالي فإنه من وجد مثل هذه الآثار فعليه إبلاغ الجهات المسئولة لاعتبارها ميراثًا للحضارة الإنسانية جمعاء وهي حق الدولة ولا يجوز لأحد التصرف فيها سواء بالبيع أو الشراء أو بالتهريب والسرقة، وفي حالة أن الدولة رأت أن الآثار بجميع أشكالها لا تندرج تحت الركاز، باعتبارها عملاً إنسانيًا وملكية عامة للدولة وللحضارة الإنسانية فلا يجوز لأحد أن يُتاجر بها، وإن عثر على شئ منها يجب تسليمها للجهات الرسمية المختصَّة بالآثار”.

 

الشرع والقانون

د شوقى علام
د شوقى علام

وحول سؤال: ما حكم الشرع في تجارة الآثار؟ أجابت دار الإفتاء المصرية: الآثار لغة: جمع أثر: وهو بقية الشئ.

وأما اصطلاحًا: فقد نَصّ القانون المصري في المادة رقم (1) من قانون حماية الآثار رقم (117) لسنة 1983م على أنه يعتبر أَثَرًا كلُّ عقار أو منقول أنتجته الحضارات المختلفة، أو أحدثته الفنون والعلوم والآداب والأديان من عصر ما قبل التاريخ وخلال العصور التاريخية المتعاقبة، حتى ما قبل مائة عام، متى كانت له قيمة أو أهمية أثرية أو تاريخية، باعتباره مظهرًا من مظاهر الحضارات المختلفة التي قامت على أرض مصر أو كانت لها صلة تاريخية بها، وكذلك رفات السلالات البشرية والكائنات المعاصرة لها.

منزلة المعادن

أضافت دار الإفتاء: إن الآثار مظنة التنازع لدوامها واستمرار الانتفاع بها؛ من جهة ما تقدمه من فائدة تاريخية، وقيمة حضارية، وما تدره من دخل مالي نتيجة إقبال المهتمين والدارسين من شتى أنحاء العالم لمشاهدة تلك الآثار التاريخية ودراستها، فتنزل منزلة المعادن، في أن حكمها راجع إلى ولي الأمر ولو كانت قد وجدت في أرض مملوكة لمعين؛ لأنها مظنة التنازع لدوامها واستمرار الانتفاع به، وهذا هو ما قرره الفقهاء المالكية.

مصلحة عامة

والآثار تعتبر من الأموال التي يتضرّر مجموع الأمَّة لو اقتصر تملّكها على بعضهم وتصرف فيها بما لا يحقق المصلحة العامة، فمثلها في ذلك كالماء العِدّ -وهو الماء الدائم الذي لا انقطاع له؛ كماء العيون- والمعادن وما لا يستغنى عنه، لما لها من قيم تاريخية وحضارية وعلمية واقتصادية تصب جميعها في مصلحة المجتمع ونمائه وتقدمه.

وقد روى أبو داود وغيره عن أبْيَضَ بن حَمَّالٍ- رضي الله عنه- أنه وفَدَ إلى رسول الله- صلَّى الله عليه وآله وسلم- فاستقطَعَه المِلحَ الذي بمأرِبَ، فقطعه له، فلما أن وَلَّى، قال رجلٌ من المجلِس: أتدري ما قطعتَ له؟ إنما قطعتَ له الماء العِدَّ، قال: فانتُزِع منه. أضافت دار الإفتاء: ما تقرر من أن حكم الحاكم يرفع الخلاف في مسائل الاجتهاد المختلف فيها وقد اعتبر القانون المصري الآثار التي يعثر عليها في أرض مصر من الأموال العامة التي لا يجوز للفرد تملكها أو حيازتها أو التصرف فيها بغير تصريح من الدولة، سواء عثر عليها في أرض تملكها الدولة أو يملكها الأفراد.

لا يجوز تملكها

وجاء في المادة (6) من القانون المذكور: “على أن جميع الآثار تعتبر من الأموال العامة -عدا ما كان وقفًا- ولا يجوز تملكها أو حيازتها أو التصرف فيها إلا في الأحوال وبالشروط المنصوص عليها في هذا القانون والقرارات المنفذة له”.

وجاء في المادة (24) منه أنه: “على كل من يعثر مصادفة على أثر منقول، أو يعثر على جزء أو أجزاء من أثر ثابت فيما يتواجد به من مكان، أن يخطر بذلك أقرب سلطة إدارية خلال ثمان وأربعين ساعة من العثور عليه، وأن يحافظ عليه حتى تتسلمه السلطة المختصة، وإلا اعْتُبِرَ حائزًا لأثر بدون ترخيص، وعلى السلطة المذكورة إخطار الهيئة بذلك فورًا، ويصبح الأثر ملكًا للدولة، وللهيئة إذا قدرت أهمية الأثر أن تمنح من عثر عليه وأبلغ عنه مكافأة تحددها اللجنة الدائمة المختصة”.

البحث والتنقيب

وقررت المادة (32) أنه لا يجوز لغير هيئة الآثار المصرية مباشرة أعمال البحث أو التنقيب عن الآثار إلا تحت الإشراف المباشر للهيئة عن طريق من تندبه لهذا الغرض من الخبراء والفنيين وفقًا لشروط الترخيص الصادر منها.

ونصت المادة (45) من قانون حماية الآثار الجديد على أن من جاوز متعمدًا شروط الترخيص له بالحفر الأثري أو اقتنى أثرًا وتصرف فيه على خلاف ما يقضى به القانون يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه.

أما إذا أجرى أعمال الحفر بقصد الحصول على الآثار دون ترخيص أو اشترك في ذلك؛ فقد نصت المادة (44) من هذا القانون بأنه يعاقب بالسجن المشدَّد وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تزيد على مائة ألف جنيه.

أموال عامة

وأنهت دار الافتاء فتواها قائلة: جميع الآثار من الناحية القانونية تعد من الأموال العامة، وعلى اصطلاح الفقهاء: تعتبر ملكًا لبيت مال المسلمين، ولولي الأمر دون غيره حق التصرف فيها بما يعود بالنفع العام على أفراد المجتمع؛ لأن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة كما هو مقرر في قواعد الفقه الإسلامي.

متاجرة مُحرَّمَة

ومن كل ما سبق توضيحه يتبيّن أنه لا يجوز المتاجرة بالآثار أو التصرف فيها بالبيع أو الهبة أو غير ذلك من التصرفات ولو وجدها الإنسان في أرض يمتلكها إلا في حدود ما يسمح به ولي الأمر وينظمه القانون مما يحقق المصلحة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات