sliderدعوة ودعاة

التدرج في الخطاب الدعوي وضوابط تجديده (2)

الدكتورة أماني محمود..مدرس بالازهر الشريف

ولمبدأ التدرج في الخطاب الدعوي ضوابط لابد من مراعاتها؛ ومن تلك الضوابط ما يلي:

أولا: مراعاة إعداد الدعاة، وأن يكون إعداد الدعاة شاملًا متوازنًا وتبصيرهم بفقه التدرج

فالدعاة إلى الله هم حملة مبادئ الإسلام إلى الناس، وهم صنف متميز قد اختارهم الله لحمل أمانة الرسالة، فليس كل إنسان مهيأ للقيام بعبء الدعوة، وهذا يتبين من اصطفاء الله تعالى لرسله، وتكليفهم بالدعوة إلى سبيله، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [سورةالحج – 75].

والإعداد الشامل المتوازن نابع من شمولية الدين الذي يدعو إليه، ومن صفات هذا الدين أنه شامل متكامل ليس دين عقل أو روح أو جسد فقط، بل إنه يتعامل مع الإنسان المكون من كل عقل وروح وجسد.

وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ورأى ضرورة أن يعدوا إعدادًا شاملًا، فتراه يعزز الجانب الإيماني الروحي عندهم، حين يقوي رابطتهم بالله تعالى الذي نصرهم وأعزهم، كما يريهم القدوة في نفسه فيصلي لله شاكرًا حامدًا بعد إتمام فتح مكة، ويعيش بدعوته كل لحظات حياته- وذلك من أهم مقتضيات الدعوة- إذ يحقق الانشغال بالدعوة من خلال انشغاله بالله تعالى، تسبيحا واستغفارا وصلاة.

وأيضا الجانب الأخلاقي، فنجد النبي صلى الله عليه وسلم يوجه السائب بن عبدالله -رضي الله عنه- إلى الاستمرار على ما كان عليه من التخلق بالأخلاق الحسنة التي كان عليها في الجاهلية، فيقول له: «يَاسَائِبُ انْظُرْأَخْلَاقَكَ الَّتِي كُنْتَ تَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاجْعَلْهَافِي الْإِسْلَامِ،أَقْرِ الضَّيْفَ،وَأَكْرِمِ الْيَتِيمَ،وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ»[مسند أحمد]، ولم يغفل أيضا الجانب الاقتصادي، بل يرعاه بما يكفل الحياة الإنسانية،والقدرة على القيام بأعباء المسئولية المناطة به.

ثانيا:  مراعاة أحوال المدعوين من حيث المستوى العلمي والعمري

تتميز الدعوة الإسلامية بمراعاتها أحوال المدعوين بشكل شامل، فتراعى فيهم النواحي النفسية والعقليةوالوجدانية، إضافة إلى رعاية ما ميزهم الله به من مواهب وقدرات، ومن ذلك:

الاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، وخصهم بمزيد من الرعاية والإكرام، شكرًا وتقديرًا لما سلف منهم من البر والأعمال الصالحة، وإرضاء لنفوسهم التي قدمت وبذلت، فلم يجحد حقها من التقدير والتكريم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لَايَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَايَشْكُر ُالنَّاسَ»[مسند أحمد].

العمل على تهيئة نفوسهم لقبول الحق عن طواعية وطمأنينة، فالإسلام دين أمن وأمان، والقرآن الكريم نزل مؤكدًا على هذا في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾[سورةالتوبة: 6]،ففي هذه الآية الكريمة يأمر الله تعالى نبيه ﷺ إذا جاءه أحد من المشركين، لا عهد بينه وبين المسلمين ولا ميثاق، ليسمع ما يدعو إليه من التوحيد والقرآن، ويتبين ما بُعث له، أن يؤمنه ﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 6]، ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر، ثم يبلغه بعد ذلك داره التي يأمن فيها، وإن لم يسلم، ويطلق على ذلك (التفريغ النفسي)؛ وذلك بأن تفرغ نفوس المخاطبين مما يثقلها، وذلك بموافقة المدعوين في أهم ما يثير نفوسهم، ومن ذلك إعلان النبي الأمان لأهل مكة، رغم ما حصل منهم، كما دعا المسلمين جميعا إلى نشر هذا الأمان، فقال: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ»[صحيح مسلم].

تغيير المسار النفسي: وذلك بتحويل المزاج الحالي للمدعو، إذا كان هذا المزاج يسير في اتجاه لا يخدم الدعوة، وينحرف بها عن الخط الذي رسمه الداعية، ومن أمثلة ذلك؛ احتواء مشاعر الغضب والرفض، التي قد تثير صاحبها وتمنعه من قبول الإسلام، وامتصاصها وإزالتها.

السمو بالروح المعنوية لدى المدعوين، ورفعهم من هوة الماضي، كي لا يقيدهم بأغلاله، وهذا ما فعله النبي ﷺمع أهل مكة؛ فهو ينهى عن التعيير بالماضي السيء لمن حارب الإسلام وضاده، فيقول للمسلمين: «لاَتَسُبُّواتُبَّعًا؛فَإِنَّهُ َدْكَان أَسْلَمَ»[مسند أحمد]، لأنه قدم تائبا راغبا في الإسلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهل يحل لأحد أن يطعن على علي رضي الله عنه أن عمه أبا لهب وقد كان شديد العداوة للنبي ﷺ، أو يعيره بكفر أبي طالب، أو يعير بذلك العباس؟

ثالثا: مراعاة بيئة الدعوة والأحوال الاجتماعية

وذلك لتحديد نقطة البَدْء، وتوصيف المرحلة، والهدف الدعوي، سواء كان هدفًا نهائيًّا أو هدفًا مرحليًّا، فقد راعى النبي الأعراف الاجتماعية عند أهل مكة ولم يبطلها، ومن أمثلة ذلك:إبقاء بعض المناصب المتعلقة بالبيت وهي السدانة والسقاية، وإلغاء ما سوى ذلك وإبطاله، وإقرار ما تعارف عليه الناس في أمور معاشهم، ولم يتعارض مع الإسلام.

ففي هذه المراعاة منه محافظة على مشاعر أهل مكة، وعدم مصادمتهم والمسلمون في ذروة نصرهم، وكي لا يشعر هؤلاء المدعوون بأن الإسلام يطالبهم بالتنازل عن أعرافهم التي صارت جزءا من سلوكهم الإرادي وغير الإرادي، وذلك يوطئ نفوسهم لقبول الحق.

رابعا: أن يشمل التدرج الوسائل والأساليب الدعوية

فيشمل التدرج الوسائل والأساليب الدعوية بما يضمنُ تحقيق الغاية المرجوَّة، وذلك استنادًا إلى قاعدةٍ شرعية، فكما أن الغاية شرعية، فكذلك الوسائل والأساليب لابد أن تكون موافقة للشريعة الإسلامية، ويجب مراعاة تجديد الخطاب الدعوي بالتدرج في وضع المناهج الدعوية، مع الاهتمام بالترغيب واللين والرفق، وتغليب ذلك على العنف؛ فالأصل أن التعامل في الإسلام إنما يكون بالرفق، ومع المجادلين بالتي هي أحسن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق