sliderالتحقيقات

“البارت تايم”.. نسخة جديدة من زواج المتعة

أسهم بناء الأسرة المسلمة تتراجع أمام تقاليع الزواج الجديدة

د: عبد الحليم منصور: جمهور الفقهاء حرموه.. وهذه أدلتي الشرعية

تحقيق :خلود حسن

انتشرت في الآونة الأخيرة بعض الدعاوى الخبيثة التى تدعو إلى الزواج المؤقت أو زواج “البارت تايم”..وأثارت هذه الفكرة الشيطانية ضجة واسعة بمواقع التواصل الاجتماعي، ويبقي السؤال: هل عقد الزواج سليم قانونا وشرعا؟ وهل نية الزواج لفترة محددة تفسده؟ وما هي الضوابط الشرعية للقضية ؟ ، ولماذا تظهر هذه الزيجات المستحدثة كل فترة ؟. يحاول هذا التحقيق الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها ؟

في البداية قال الدكتور أحمد مهران ، مدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية، أن عقد الزواج المؤقت من الناحية القانونية سليم ولا يوجد به أي مشكلة إذا توافرت فيه الشروط والأركان كإشهار وإعلان وإيجاب وقبول، فليس هناك ما يمنع من أن يكون هناك زواج، فمن الناحية القانونية إذا تم عقد الزواج وفقا للإجراءات القانونية التي نص عليها المشرع المصري فيكون زواج سليم تماما، أما من الناحية الشرعية فهو محل خلاف ويتغير الرأي فيه حسب التفسير أو المقصود من كلمة زواج “البارت تايم” أو الزواج المؤقت، فالأصل في الزواج أنه عقد يحرر أو يكتب علي سبيل التأبيد الغرض منه المؤبد ولا ينتهي هذا العقد إلا بأحد الأجلين الطلاق وقد شرعه الله أو الموت.

د أحمد مهران
د أحمد مهران

وأكد الدكتور مهران، أن سبب زيادة نسبة الطلاق والعنوسة هي السبب في ظهور هذه المقترحات للخروج من مشكلتهم وحلها لأن الزواج المؤقت موجود عند الشيعة ولا يوجد عند فقهاء أهل السنة والجماعة ، ولهذا فإن الرجل والمرأة إذا تزوجا وكتبا في عقد الزواج وشرط الانفصال بعد مدة محددة هنا يكون العقد سليم وصحيح قانونا فقط ولكن النية والشرط فاسدان فإذا توفي الزوج خلال هذه المدة فمن حقها أن ترثه ومن حقها نسب أطفالها له ولها كل الحقوق القانونية.

مرفوض عرفا

وصف الدكتور محمود عبد الله، خبير علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية زواج المتعة أو الزواج المؤقت أو الزواج السياحي أو زواج السفر أو زواج لبعض الوقت، كلها مسميات لنوع من الزواج المرهون بفترة زمنية محددة يتفق عليها الزوج والزوجة ولقد ذاع هذا الزواج إبان الحرب الإيرانية- العراقية، ومعروف في بعض البلدان الخليجية، وعرفته مصر مؤخرا في إطار عملية الاتصال الثقافي بين مصر ودول الخليج التي أسفرت عن نقل كثير من القيم والعادات الاجتماعية المخالفة للعرف والثقافة المصرية، وذلك خلال السبعينات التي شهدت سفر كثير من المصريين للعمل هناك، بعدما تعثرت الأوضاع وتغيرت أحوال المعاش.

أوضح الدكتور محمود، أن الظاهرة لها ما يقيدها بحكم الأعراف الاجتماعية والدين، فالمذاهب السنية ترفضها مجمعة على ذلك، فيما تقبل بها المذاهب الشيعية باستثناء الشيعة الاثني عشر، مستندة في ذلك إلى شواهد دينية، قابلة للأخذ والرد، والواقع أن الظاهرة أقرب للارتباط بفترات الأزمة والتعثر، وقد ذهب أحد الشيوخ المصريين إلى حد اعتبارها حلالا كحل لأزمة الشباب المهاجر لبلدان أوروبية، ومتنفسا له.

وأشار الدكتور محمود، إلي أن ضعف الوازع الديني، ليس وحد السبب الرئيسي لانتشار الظاهرة كما يتصور البعض، بل إن الأمر يتصل بطبيعة تفكير المصريين في الزواج نفسه كعقد اجتماعي يقوم على المؤانسة والرفق والتعاون، بدلا من ذلك أصبح الزواج علاقة تبادل، أشبه بما يصفه عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس في كتابه “الهبة”، حين رأى أن القبائل تتبادل الفتيات كتبادل للهدايا، التبادل هنا هو فعل تجاري، ينطوي على معاني رمزية وقوة العلاقات القبائلية. فيدور الصراع عادة بين الأسر المصاهرة على المسائل المادية التي تضمن للزوجة حياة كريمة في حالة الطلاق ، وللأسف فإنه في مثل هذا المجتمع ينظر للمرأة المطلقة نظرته للجاني وليس الضحية، يصعب الحديث عن الزواج بوصفه “رباط مقدس”، يتحمل فيه الطرفان واجباتهما نحو المجتمع والتزامات نحو الأبناء.

وأنهى الدكتور محمود ، كلامه مؤكدا أن هناك أسباب أخرى لمثل هذه الدعوات إلي زواج غير تقليدي أو حتى غير شرعي مع التأكيد أنها حالات لها خصوصيتها، حيث يبدو ارتباطها قويا بسوء توزيع نواتج العمل السياحي فمثلا القرى المحيطة بالمناطق السياحية، لا يستفيد أهلها من عوائد التنمية السياحية، بل إن الفقر شديد بها، ما يضطرهم للقبول بهذه الأنواع المستحدثة من الزواج. بينما لو تم توزيع العائد بحيث تمنح فرص أكبر لأبناء أسر هذه القرى للعمل بالسياحة، أو أن يخصص جزء من عوائد السياحة لتحسين جودة الخدمات في هذه القرى، وأن يتم تعليم الفتيات حرفا تقليدية، يمكن أن تكون مصدرا للدخل السياحي، بحيث تتحول هذه القرى لمزار للسياح، خاصة إذا تم تغيير أوضاعها، وأصبحت ضمن مشروع أوسع لتطوير القرى المحيطة بالمناطق السياحة, إلى جوار توجيه الجمعيات الأهلية والقوافل الدينية التي تسعى لإجراء حوارات مع القيادات الشعبية والناس العاديين لتغيير رؤيتهم للزواج، ووظيفته، والتعريف بالمشكلات القانونية والاجتماعية والنفسية المترتبة على مثل هذه الأنواع المستحدثة من الزواج ومنها زواج البارت تايم

ضوابط شرعية

عن حكم الشرع في زواج البارت تايم أوضح الدكتور عبد الحليم محمود منصور، أستاذ الفقه المقارن وعميد كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر، أن هذه المسألة تشتمل على أمرين الأول : هو الزواج المؤقت بحيث يتفق الطرفان على أن يتم الزواج إلى أجل معين بأن يقول الرجل للمرأة أو وليها أتزوجك لمدة عام أو شهر ، أو نحو ذلك مما يدل على تأقيت عقد الزواج ، وهذا الزواج باطل باتفاق الأئمة، لأن هذا هو نكاح المتعة الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في صحيح مسلم وسنن ابن ماجه وغيرهما عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة” لأن التأجيل يخل بمقصود النكاح من المودة والرحمة والسكن، ويجعل الزوجة بمنزلة المستأجرة.

أضاف الدكتور منصور، أن الأمر الثاني : وهو الزواج بنية الطلاق ، كأن يتفق الطرفان أو أحدهما على الزواج، دون أن يظهرا، أو أحدهما تأقيت العقد، ولكن يضمراه معا، أو أحدهما، وفي هذه الصورة اختلف العلماء فيمن تزوج وهو ينوي مدة معينة يطلق بعدها هل يصح؟ فهناك أقوال: تقول أن النكاح لا يصح والحالة هكذا، وهو الصحيح المنصوص عليه في مذهب الحنابلة قياساً على نكاح المتعة في عدم الصحة، فعن أحمد من رواية أبي داود: قولُه:” هو شبيه بالمتعة، لا، حتى يتزوجها على أنها امرأته ما حييت” قال ابن تيمية :” قال أحمد رواية عبد الله: إذا تزوجها وفي نيته أن يطلقها أكرهه هذه متعة, ثم قال شيخ الإسلام: وهذا يبين أن هذه كراهة تحريم لأنه شبهه بالمتعة والمتعة حرام عنده.

أشار الدكتور عبد الحليم، إلي أن هناك أقول أخرى أن النكاح صحيح، وإليه ذهب الحنفية ولأن إضمار التأقيت في النكاح لا يؤثر في صحته ولا يجعله مؤقتاً، فلو تزوجها وفي نيته أن يمكث معها مدة نواها، فالنكاح صحيح، لأن التأقيت إنما يكون باللفظ، قال في كنز الدقائق:” ولو تزوجها مطلقاً، وفي نيته أن يقعد معها مدة نواها فالنكاح صحيح”.أما مذهب المالكية فأكد أن التأقيت إذا لم يقع في العقد، ولم يُعْلِمْها الزوج بذلك، وإنما قصده في نفسه، وفهمت المرأة أو وليها المفارقة بعد مدة فإنه لا يضر، ونقل في ” فتح العلي المالك” عن الإمام مالك في الذي يتزوج المرأة مدة ثم يفارقها إذا سافر -مثلاً- أي ينوي فراقها إذا سافر “إذا أعلمها بذلك فسد، وإن لم يعلمها وفهمت ذلك أجاز” وذهب ابن قدامة من الحنابلة، كما جاء في “المغني” أنه:” إن تزوجها بغير شرط، إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد، فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم إلا الأوزاعي، قال: هو نكاح متعة.

ويؤكد الدكتور عبد الحليم، أنه في مذهب الشافعية أن كل ما لو صرح به أبطل يكون إضماره مكروها عندهم، ومما يحتج به لمذهب الحنابلة أنه لو تم بعلم المرأة أو وليها فلا فرق بينه وبين نكاح المتعة المحرم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين:” إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى” وإن كان بدون علم المرأة أو وليها فهو غش إذ لو علموا لم يزوجوه، وقد قال صلى الله عليه وسلم:” من غش فليس منا” وقال أيضا :” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ” .

في النهاية أوضح الدكتور منصور، أن الرأي الراجح أن النوايا لا يطلع عليها إلا الله عز وجل، ولو تواطأ الزواج، أو أحدهما على إضمار نية التأقيت في العقد، ولم يصرحا بذلك أمام المأذون، وتم إبرام الزواج بالعبارة الخالية عن التأقيت، فالزواج في هذه الحالة صحيح قضاء، ولا تؤثر نية التأقيت التي أبرمها الزوجان على بطلان العقد، ولكن لا يمنع ذلك من أن ينالهما الإثم لأن الأعمال بالنيات كما هو الحديث النبوي الشريف، وكما هي القاعدة الشرعية الأمور بمقاصدها وبالجملة فالعقد صحيح مع الإثم ويجب توعية الناس بخطورة هذه الأمور حتى لا يتخذ الناس الميثاق الغليظ هزوا ووسيلة للعبث بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات