sliderالرأى

الانتماء للوطن.. فريضة غائبة

بقلم: الشيخ رسمي عجلان

عضو الرابطة العالمية لخريجي الأزهر

يعدّ مفهوم الانتماء من المفاهيم العالميّة المهمّة في العالم المعاصر، وقد تحوّل إلى مفهومٍ متكرّر في الندوات والمحاضرات وعبر وسائل الإعلام المختلفة، حتّى تحوّل إلى مفهومٍ رئيسي في حياتنا اليوميّة، والانتماء لغةّ: بمعنى الانتساب، حيث أن هذا المفهوم يتجسّد في انتماء الطفل بوالده والانتساب له، والانتماء مفردة مشتقّة من النمو والكثرة والزيادة، وعرّف الانتماء اصطلاحاً: أنّه الانتساب الحقيقي للوطن والدين فكراً ووجداناً، واعتزاز الأفراد بهذا الانتماء عن طريق الالتزام والثبات على المناهج والتفاعل مع احتياجات الوطن، وتتجلّى هذه التفاعلات من خلال بروز الاعتزاز بالوطن والمحبة والانغماس في حمايته والتضحية لأجله؛ إذن الانتماء شعور فطري نابع من أعماق النفس البشرية منذ فجر الخليقة، وهو الانتساب والارتباط بالبيئة التي يعيش فيها الإنسان (أي الوطن) وبمن يعيش معهم من المخلوقات، من هنا حرص الإنسان على تكوين بناء اجتماعي قائم على أساس العلاقات الإنسانية المتبادلة، والانتماء يعطي للمنتمي (أي المواطن) حقوق في وطنه كحق الأمن والسلامة والصحة والتعليم والعمل والتنقل والتعبير وحرية الاعتقاد والمشاركة في اتخاذ القرارات والخدمات العامة، وكذلك يجب عليه متطلبات: كاحترام النظام العام، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، والدفاع عنها، والتكافل والتعاون مع مؤسساته، والحفاظ على وحدة نسيجه، والمساهمة في بناءه وازدهاره، وتقوية أمنه، وتدعيم استقراره، إن الانتماء للأوطان ليس كلمة تقال كعنوان رئيسي للجرنال، أو كلمة تزين بها دفاتر الأشعار، أو نقش على جدار!!! بل هي فعل مترجم عن ما يكنه القلب من حب وارتباط، فيترجم إلى عمل جاد من أجل رقيه وتقدمه، ودفع الضرر عنه، وجلب المصلحة له، والحفاظ على مكتسباته، واحترام شعبه وقياداته، والصمود في وقت أزماته، والمشاركة الفعالة في خطط تنمية موارده، وتعزيز المعارضة البناءة التي تعمل على تصحيح الاعوجاج وتنمية الاقتصادي، وتقويم الانحطاط، وعدم استغلال أولادنا كوقود نار لمعاركنا السياسية والمذهبية، والفتنة الطائفية، وغرس روح التعاون على البر والتقوى، وترغيب الناس في الأعمال الخيرية، والانخراط في المجتمع لنشر الرحمة والتسامح وقبول الآخر بين المواطنين والاعتراف بالمجتمع المدني، هذا هو معنى الانتماء باختصار.

إن تربية أولادنا على الانتماء وحب الوطن فريضة شرعية وضرورة حياتية، لأن الشباب هم شمس الوطن التي تنشر الدفء في ربوعه، والأنفاس التي تجري في ضلوعه، والدم الذي يتدفق في عروقه، والسواعد التي تبني مجده وتحمي حدوده، إن ما يقبع في نفوس أولادنا اليوم من الشعور العارم بالحيرة والضياع وفقدان الأمل في غد مشرق؛ هو نتيجة طبيعية لفقدان الانتماء للدين والوطن والأسرة والمجتمع، وهذا دفعهم لاستراد تقاليع عجيبة: (في الملبس والمشية وطريقة الكلام وتسريحات الشعر)؛ لإثبات هوية لهم والتميز عن غيرهم، وكان من أسباب قتل الانتماء بداخلهم: أن عقولهم سأمت القيم والمبادئ التي درسوها بالجامعات وقرءوها بالصحف والمجلات وحفظوها من الدعاة والخطباء!!! ولم يجدوها على أرض الواقع، لقد ملت قلوبهم التمني والأماني والشعارات الرنانة والمؤتمرات الحاشدة في الأحاديث الداعية لحب الوطن والانتماء له، وهم يرون الذين يدعونهم لذلك يقولون ما لا يفعلون؟! يتحدثون في المؤتمرات عن حب النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لوطنه مسقط رأسه (مكة)؛ وأنه دائم الحنين لوطنه حتى قال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة)، وعندما فتح مكة عفا عن أهلها وصفح عنهم وقال لهم: (لا تسريب عليكم اذهبوا فأنتم الطلقاء)، ويتحدثون عن التقشف والصبر والتحمل، ويرون أن البطالة ستأكل الشباب، وينفقون على مؤتمراتهم ألاف الجنيهات؟! ففقد الشباب الثقة بمن يحدثهم ويمنيهم؛ لأنهم لم يطبقوا ما يقولون على أنفسهم؟ وكان ابن الجوزي يقول: (الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول)، لأن فعل رجل واحد يؤثر في ألف رجل، وقول ألف رجل لعله لا يؤثر في رجل واحد!!! ويحكي لنا ابن الجوزي عن أحد شيوخه كيف تأثر به في طفولته وفي تكوين شخصيته فقال: (وكنت وأنا طفل صغير إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه، فكان يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي)، فلو قامت المؤسسات التربوية بالمهام المنوط بها بالنسبة لأولادنا وعملت على تحقيقها ما كان هذا حال البلاد وحالنا؟ فأين دور الدعاة والمصلحين المسلمين والمسيحيين في تنشئة أولادنا على الانتماء وأن حب الأوطان من الإيمان؟ أين دور قصور الثقافة المنوط بها في كل الأقاليم؟ للأسف أصبحت أطلال ينعق فيها الغراب! أين دور وزارة الشباب والرياضة والأموال المعتمدة لهم لتعليم الشباب واحتوائهم رياضياً وثقافياً واجتماعياً وترفيهياً؟ أين القدوة الصالحة التي يقتفي أثرها الشباب؟ لو تم احتواء هؤلاء الشباب وتثقيفهم وتوظيف مواهبهم واستغلال طاقاتهم في النهضة والبناء، ما استطاعت قوة اختراقهم وتوجيه بوصلة انتمائهم، وما ظهر بيننا إرهابي ولا متطرف فكريا!!! ومع كل هذا إني شديد التفاؤل واسع الأمل في شبابنا الكرام إذ أحسن توجيههم واحتوائهم، وحل مشكلاتهم، لقوله (صلى الله عليه وسلم): (لولا الأمل ما أرضعت والدة ولدها، ولا غرس غارس شجرة). ثم قال: (صلى الله عليه وسلم) فاتحاً باب الأمل والعمل: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل) (أحمد). والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق