sliderندوات

الإسلام سبق أنظمة العالم فى رعاية الفقراء

العلماء فى ندوة الأوقاف و"عقيدتى:

د. الشحات الجندى: القرآن كرّم ذوى الاحتياجات.. واسألو سورة “عبس”

د. نبيل السمالوطى: الدين منذ آدم إلى خاتم المرسلين .. جاء لخدمة الإنسان

د. على الله الجمال: مساعدة الضعفاء .. من هدى النبوة والخلفاء الراشدين

 

أدار الندوة: إبراهيم نصر

تابعها: محمد الساعاتي

تصوير: إسلام حلمى

أكد العلماء المشاركون فى ندوة الأوقاف و”عقيدتى” أن الإسلام سبق أنظمة العالم فى رعاية الفقراء والضعفاء وحقوق الإنسان، وأن الإسلام له منهجية فى مواجهة المشكلات تعتمد على الوقاية أولا ثم الإرشاد والعلاج، موضحين أن مشكلة الفقر واجهها الإسلام بفرض الزكاة على الأغنياء كحق معلوم فى أموالهم للفقراء.

قالوا: لو أن أغنياء العالم الإسلامى أخرجوا زكواتهم .. ما وجدنا فقيراً واحدا من الفئات الثمانية التى حددها القرآن الكريم.

أضافوا: إن الإسلام سبق كل أنظمة العالم فى حقوق الإنسان، ومن يدعى ويزعم أنه من أسس لحقوق الإنسان قبل الإسلام، فهو واهم ونقول له: ارجع للتاريخ الإنسانى لترى أن المسلمين هم من أصلوا لحقوق الإنسان فى العالم.

جاء ذلك فى الندوة التى عقدت تحت رعاية الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف، بالتعاون مع جريدة “عقيدتى” بمسجد السيدة نفيسة رضى الله عنها وأرضاها تحت عنوان: “حتمية التكاتف المجتمعى للعناية بالفئات الأول بالرعاية”.

أدار الندوة الكاتب الصحفى إبراهيم نصر مدير تحرير “عقيدتى” وافتتحها بالقرآن الكريم فضيلة الشيخ أنور حسن البياع، وحاضر فيها كل من:  د. محمد الشحات الجندى أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة حلوان والأمين العام السابق للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ود. نبيل السمالوطى أستاذ علم الاجتماع والعميد الأسبق لكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، ود على الله الجمال إمام مسجد السيدة نفيسة رضى الله عنها وأرضاها.

د محمد الشحات الجندى
د محمد الشحات الجندى

فى بداية كلمته أشاد الدكتور محمد الشحات الجندى بجمهور الحاضرين وتوجه لهم بكلة ترحيب، موضحاً أنهم القاعدة العريضة المستهدفة بالخطاب الدينى، مؤكدا أهمية موضوع الندوة حيث جاء فى معنى الحديث النبوى الشريف: “إنما ترزقون بضعفائكم”، مشيراً إلى أن الإحصائيات أظهرت أن عدد هؤلاء الضعفاء أو ذوى الاحتياجات الخاصة يبلغ عددهم فى مصر ما يقرب من 15 مليون ، أى أنهم أكثر عددا من بعض الدول، بل إن عددهم أكثر من تعداد الدول الخليجية مجتمعة.

إنهم “الضعفاء”

قال الدكتور الجندى: ثلاثة مصطلحات يتم إطلاقها على الفئات الأولى بالرعاية: البعض يسميهم معاقين، أو ذوى الاحتياجات الخاصة، والمصطلح الصحيح هو “الضعفاء” كما سماهم القرآن الكريم، وليس فيه على الإطلاق المصطلحين الآخرين، وليس فى السنة كذلك مصطلح المعاقين أو ذوى الاحتياجات الخاصة، وإن كان فى القرآن أو فى السنة تسمية الإعاقة كالأعمى أو الأعرج،  وهؤلاء الضعفاء هم أصحاب الإعاقات الذهنية أو الجسدية، والقرآن الكريم يقول فى سورة التوبة: “ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم”، وفى سورة النور يقول الله تعالى: “ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج..”، وفى السنة المطهرة يقول النبى صلى الله عليه وسلم: “أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة .. وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى”.

أضاف: وهؤلاء الضعفاء هم كل من أصيب بعاهة أو إعاقة تحول بينه وبين القيام بشؤون حياته بصورة طبيعية، أو تمنعه من القيام ببعض التكاليف الشرعية، ويجب على المجتمع رعايتهم والوقوف بجانبهم، لأن الإسلام فى القلب منه أوجب أن نكون مع هؤلاء الناس نرعاهم ونقوم على شؤونهم.

أوضح الدكتور الجندى أن الذى أصيب بالجنون، فإن الإسلام أسقط عنه التكاليف الشرعية، وليس عليه حرج فيما يفعل، وإن كان هذا الجنون مصحوبا بهياج أو إيذاء للآخرين فعلى المجتمع أن يوفر مكاناً آمنا لهؤلاء المجانين لرعايتهم وكف أذاهم عن الآخرين، ولا يجوز بحال من الأحوال أن نتخلص منهم بالقتل أو نؤذيهم أو نتركهم دون رعاية، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: “رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق” فأصحاب الضعف العقلى أو البدنى يوجب الشرع توفير الرعاية لهم.

الإسلام سبق الجميع

ويعلن الدكتور الجندى: إن المسلمين هم دعاة حقوق الإنسان، وهم الذين اخترعوا حقوق الإنسان، وأقرها الإسلام قبل الأمم المتحدة وقبل المجالس النيابية، وقبل كل الدول، فالإسلام سبق كل الأنظمة وكل دول العالم فى حقوق الإنسان ورعلية الضعفاء. لدرجة أن الإسلام لم يحرم المجنون من حق الزواج إذا كان لا يمثل خطورة على شريكة حياته، بل أن الدولة الإسلامية قبل العصر الحديث كانت لديها سجلات لحصر أصحاب العاهات مثل الأصم والأبكم والأعمى، وغيرهم .. ليس لمجرد إعطائهم حق الحياة وحق التملك وحق الزواج إذا أمكن، حق اختيار الحاكم، والمشاركة أيضا فى نصيحة الناس،بل كانت هذه السجلات لتقديم المساعدة المالية لمن لا يستطيع أن يكسب قوت يومه، فتخصص له الدولة راتباً تمكنه من الحصول على ضروريات الحياة، فلهؤلاء حق المأكل والمشرب وحق الملبس وحق المسكن وحق التعليم، مادام يستطيع ذلك، وحق العلاج، فهذه حقوق خمسة قررها الإسلام لهؤلاء فى تشريع لم يسبقنا إليه أحد، فمن يأتى بعد ذلك ويزعم أنه اخترع حقوق الإنسان، فهو كاذب.

ويلفت الدكتور الجندى إلى أن هذه الحقوق المقررة شرعاً مبسوطة فى كتب الفقه القديمة مثل: المغنى لابن قدامة، وحاشية ابن عابدين فى الفقه الحنفى، وكتاب المجموع للنووى، وكتاب الأم للإمام الشافعى، وكتاب بداية المجتهد أو المدونة الكبرى للإمام مالك، سيجد هذا الكلام، ولكم ان تعلموا أن الإسلام قرر لمن كان من الضعفاء إمكانية القيام بالولاية على غيره أو يتولى منصباً فى الدولة ما دام يستطيع القيام بذلك، وذلك مقرر فى الشريعة الإسلامية والتاريخ الإسلامى القديم والحديث ملئ بهذه النماذج، ولا ننسى أن الله تعالى عاتب نبيه فى قرآن يتلى إلى يوم القيامة لمجرد الإعراض عن واحد من هؤلاء الضعفاء وهو عبد الله ابن أم مكتوم وهو أعمى، وفى ذلك تكريم ما بعده تكريم لهؤلاء الضعفاء، حين ينزل العتاب للحبيب المصطفى بشأن هذا الأعمى فى سورة عبس، قوله تعالى: “عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ (1) أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ (5) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ (7) وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ (8) وَهُوَ يَخْشَىٰ (9) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (14)”.

أضاف: بل إن الدولة فى الإسلام تقرر تعيين مساعد لمن أصيب بعاهتين، ليدير شؤون حياته ويساعده على أعباء الحياة، كل ذلك وأكثر موجود عندنا فى كتب الفقه، ولكن للأسف نحن لا نقرأ ولا نعرف ونعطى الفرصة لغيرنا أن يزايدوا علينا ويتاجروا بنا ويزعمون أنهم دعاة حقوق الإنسان، وأنهم سبقونا فى ذلك بخلاف الحقيقة والواقع.

لماذا جاء الإسلام؟

د نبيل السمالوطى
د نبيل السمالوطى

وفى كلمته وجه الدكتور نبيل السمالوطى الشكر لوزارة الأوقاف وجريدة “عقيدتى” على عقد هذه الندوات، مؤكداً أهميتها فى تصحيح المفاهيم، ونشر العلم الصحيح ومعالجة مختلف القضايا التى تخدم المجتمع.

ثم تساءل د. السمالوطى: لماذا جاء الإسلام؟ .. وحين نقول الإسلام فلا نقصد الرسالة الخاتمة التى نزلت على سيدنا محمد، ولكن الإسلام منذ آدم عليه السلام هو الدين الذى ارتضاه الله لخلقه منذ آدم ومروراً بجميع الأنبياء والمرسلين وصولاً إلى النبى الخاتم سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، ودعونى أجيب على السؤال: لماذا جاء الإسلام؟ .. الإسلام جاء لبناء الإنسان التقى النقى المنجز المفيد لنفسه ولغيره وليس الذى يصلى ويصوم ليل نهار، ويؤدى الفرائض المطلوب منه القيام بها، وإنما مع ذلك فهو مفيد ولديه القدرة على الإنجاز، والتعايش والتعامل والحوار مع الآخر، وجاء الإسلام ايضاً لبناء المجتمع القوى على مستوى العالم كله .. القوى إيمانياً .. الأقوى اقتصاديا وحضارياً وصحياً وتعليمياً، وفى جميع الجوانب، لماذا؟ .. لأن المسلم فى المجتمع له رسالة: نصرة الحق ورفع الظلم عن المظلومين، فكيف يكون ذلك وتدعو إلى الله وتنشر الدعوة بالعرض لا بالفرض، فنحن لا نفرض دين الله على أحد، ولم يثبت أبداً أن الرسول، صلى الله عليه وسلم أجبر أحداً على الدخول فى الإسلام، وإنما هى الدعوة للتفكير والنصح وتوضيح الإسلام، فمن يقبل أهلا وسهلاً ومن يرفض أهلا وسهلاًن، وهذا ما حدث مع نصارى نجران فى عهد النبى، صلى الله عليه وسلم، وحدث فى عهد عمر رضى الله عنه فى العهدة العمرية، وحدث أيضاً مع الكفار والمشركين الذين كانوا يعيشون مع الرسول، والرسول كان نبياً ورسولاً وحاكماً، وفى المدينة المنورة كان عنده مشركون، فماذا فعل بهم؟ .. لا شئ، بل قال: “لهم ما لنا وعليهم ما علينا”. فكيف يتم لك كل هذا وأنت ضعيف أو تعيش فى مجتمع ضعيف؟.

للجميع دون استثاء

يضيف د. نبيل السمالوطى: المجتمع القوى لابد أن يكون مجتمعا تسود فيه حقوق الإنسان للجميع دون استثناء، حرية الإنسان للجميع دون استثناء، كرامة الإنسان للجميع دون استثناء، والله تعالى يقول: “ولقد كرمنا بنى آدم” فهل قال ولقد كرمنا المسلمين أو المؤمنين أو المتقين؟ .. لا .. بل كرم الله مطلق بنى آدم، الكرامة للكل: مسلم وغير مسلم، لأن الخلق عيال الله، وأقربهم إلى الله أنفعهم لعياله.

ويتحدث الدكتور السمالوطى عن منهج اللإسلام فى مواجهة الأزمات والمشكلات الخاصة بالفئات الضعيفة والمهمشة، قائلاً: الإسلام له منهج جميل جدا لم يصل إليه غيره، ونحن أساتذة الاجتماع، وقد قرأنا الشرق والغرب والصين وأمريكا وأوربا، وذهبنا إليهم وقمنا بالتدريس هناك فلم نجد منهجا مثل المنهج الإسلامى فى مواجهة المشكلات، فهو له جانب وقائى، وله جانب إرشادى، وله جانب علاجى، موضحاً أن الإرشادى يعنى توعية المسلمين ونفهمهم حقيقة الإسلامن وأنه يقيم العدل بين الجميع .. يقيم الحق بين الجميع .. يساوى بين الجميع، لا فرق بين غنى وفقير، ولا بين ضعيف أو معاق أو غير معاق، أو امرأة أو رجل.. الجميع لهم نفس الحقوق.. هذا هو المنهج الإرشادى.

الجماهير خلال الندوة
الجماهير خلال الندوة

أما المنهج الوقائى فيعنى ألا ننتظر حتى تقع المشكلة أياً كانت: زنا ونعوذ بالله منه أو فقر أو بطالة أو عشوائيات او أطفال شوارع أو غير ذلك، ثم نقول: “حلّق حوش” بل جعل الإسلام هذا المنهج الوقائى لئلا تقع المشكلة من الأساس، فى قضية الزنا مثلا حرم الإسلام الخلوة بالمرأة، وطلب غض البصر، وشرع الزواج للمستطيع وتيسيره، وفى مشكلة الفقر ماذ فعل هذا المنهج الإلهى ثلاثى الأبعاد؟ أولاً فرض الزكاة، والزكوات عندنا فى مصر تصل إلى 15 مليار جنيه .. فهل هى تخرج أم لا؟ وإذا كانت تخرج فبطريقة عشوائية، يكون التركيز فيها على فئة دون أخرى، ولذلك الدكتور نصر فريد واصل، متعه الله بالصحة والعافية، حين كان يتولى منصب الإفتاء جمع أساتذة الاقتصاد والفقه والشريعة والاجتماع، لنتباحث فى كيفية الاستفادة من هذه المليارات حصيلة الزكاة، وكان رأى الدكتور نصر أن نبنى بها مصانع ونملكها للفقراء فى صورة أسهم لغير القادرين على العمل ومن يستطع العمل فيأخذ مقابل عمله، لأن الأصل فى الزكاة أنها تٌملك، والأصل فيها أننا لا نجعل الناس تمد يدها طول العام، ولكن المطلوب إغنائهم عن السؤال، ويكفيه أن يمد يده مرة فى العمر أو مرة كل عام، وبعد الزكاة هناك حق آخر يقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: “فى المال حق سوى الزكاة” .. فنفترض جدلاً، وهذا مستحيل، أن الزكاوات لا تكفى حاجة الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة، فماذا نصنع؟ .. من حق الحاكم أن يفرض على الأغنياء زيادة على الزكاة لصالح هذه الفئات، ثم ماذا فى منهج معالجة الفقر؟ .. واجبات التكافل الاجتماعى، فأبنائى وأحفادى يجب أن أنفق عليهم وكذلك النفقة بين الزوج والزوجة، وبعد ذلك الصدقات التطوعية التى يرغبنار الله ويحببنا فيها بقوله: “من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ..” ويأتى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة ويقول: “استقرضتك يا عبدى فلم تقرضنى” ويقول العبد كيف يا رب؟ فيقول: “ألم يستقرضك فلان فمنعته، ولو استقرضته لوجدت ذلك عندى”.

بيت المال

ثم ينتقل د. السمالوطى للحديث عن بيت مال المسلمين فيقول: تاريخ الميلاد الحقيقى للضمان الاجتماعى هو القرآن  الكريم والنبى محمد، ومن بعده الخلفاءالراشدين، وهذا الخليفة عمر يأتيه رجل مسن ويقول اعطنى لله، فقال له من أنت؟ .. فقال: يهودى فقير، فقال عمر؟: والله ما أنصفناك، أخذنا منك الجزية شابا وتركناك لهرمك عاجزاً .. ثم أخذه من يده وذهب به إلى بيت مال المسلمين، وقال هذا وأمثاله من كل الفئات، حتى المشركين، لأن القضية قضية إنسانية لا علاقة لها بالدين، يصرف لهم راتب شهرى من بيت المال.

ثم يتحدث عن الوقف الخيرى، فيقول: هذا رجل جاء لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال له: أحب أموالى إلىّ “بيروحاء” حديقة يملكها مثمرة جداً وتعطى ثمراً كثيراً ويباع بأسعار عالية، قال: أريد أن أجعلها لوجه الله، ومن هنا بدا الوقف الخيرى منذ عهد رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فقال له احبس أصل المال وسبّل الثمرة، أى اجعلها فى سبيل الله.

أضاف: مصر أعرق دولة فى التاريخ عمرها ليس سبعة آلاف سنة بل اثى عشر ألف سنة، وقيل خمس وعشون ألف سنة، وهى أول دولة وأول حضارة فى التاريخ .. مصر هذه أوقف الناس فيها ثلث عقاراتهم من مساكن وأراض زراعية لوجه الله: للأرامل والمرضى وطلبة العلم وللأزهر الشريف .. حتى تزويج النصارى واليهود غير القادرين من هذه الأوقاف. وكل ذلك قربى إلى الله تعالى، حتى أنهم لما لم يجدوا ما يوقفون أموالهم عليه، جعلوا وقفا لإطعام الطير. وآخرون جعلوا وقفاً لرعاية الكلاب الضالة.

مساعدة الضعفاء

د على الله الجمال
د على الله الجمال

ويتحدث الدكتور على الله الجمال عن حتمية التكاتف المجتمعى للعناية بالفئات الأولى بالرعاية، فيقول: عُرف النبى صلّى الله عليه وسلّم بصلة الأرحام ومساعدة الضعفاء والبذل في الخير، فكانت قريش تلقبه بالأمين، ووصفته خديجة – رضي الله عنها- بقولها: «إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ، وكان محمد بن واسع يبل الخبز اليابس بالماء ويأكل ويقول من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد .. وقد كانوا سبباً في النصر وسعة الرزق، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟!”

وعنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٍ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دينًا، أَوْ تُطْرَدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلِأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلَأَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَلْبَهُ أَمْنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى أَثْبَتَهَا لَهُ أَثْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدَمَهُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ”.

أفضل الأعمال

أضاف: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقابل ابن ام مكتوم، فيهش له ويبش، ويبسط له الفراش، ويقول له: “مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي!”، وقيل لابن المنكدر أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، قيل أي الدنيا أحب إليك؟ قال الإفضال على الإخوان، أى التفضل عليهم والقيام بخدمتهم، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ” أخرجه الطبرانى.

وبلغت الرحمة من أويس القرني وإحساسه بالفقراء أنه إذا أمسى تصدق بما في بيته من فضل الطعام والثياب، ثم يقول: اللهم من مات جوعًا فلا تؤاخذني به، ومن مات عريانًا فلا تؤاخذني به.

والخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز ورده في رسالة الفقيه ابن شهاب الزهري وهـو يوضح له مواضع السُّنة النبوية في الزكاة [إنَّ فيها نصيباً للزَّمْنَى والمقعدين ونصيباً لكل مسكين به عاهة لا يستطيع عَيلة ولا تقليباً في الأرض] فأمر عمر بإحصـائهم وتخصيص قائد مرافق لكل كفيف، وخادم لكل مقعد لا يقوى على أداء الصلاة وقوفاً.

والوليد بن عبد الملك أول من أنشأ لهم مستشفى خاصاً بهم، وجعل فيه الأطباء وأجرى لهم الأرزاق والنفقات ، وأمر بحبس المجذومين في مكان محدد لئلا يخرجوا وينشروا العدوى، وقال لهم: [لا تسألوا الناس]، فقد أوقف عليهم بلداً، وبنى مستشفى للمجذومين في ضواحي دمشق .

مستشفى للمكفوفين

وهذا الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور يبني مستشفى للمكفوفين ومأوى للمجذومين وملجأ للعجائز في بغداد، إذن تأسست الملاجئ في أوائل التاريخ الإسلامي خاصة في عهد الخلافة الأموية، لأن المسلمين كانوا يعتبرون المعتوهين معدمين وعالة على الدولة، ولأن إصابتهم بقضاء الله وقدره فقد تحملت الدولة أعبـاء حاجاتهم وعاملتهم برفق، وكانت تفرد بيوتاً خاصة في المستشفيات الكبرى لهؤلاء المرضى، وكانت نوافذ أكثر الغرف مشبكة بالحديد .

وكان سلاطين العصر المملوكي يشيدون المشافي الخاصة لعلاج المعوقين والمرضى، ويمنحونهم المال اللازم لمواجهة نفقات الحياة، وكان جزء مقدّر من ريع الأوقاف الإسلامية يُصرف على اللقطاء واليتامى والمقعدين والعجزة والعميان والمجذومين والمسجونين ليعيشوا في الدُّور المخصّصة لهم ويجدوا فيها السّكن والغذاء واللباس والتعليم والمعالجة .

وكان  أحمد بن طولون  في مصر يركب بنفسه كل يوم جمعة ويتفقد البيمارستان أي المستشفى المعروف باسمه “مارستان طولون”  ويلتقي بالأطباء وينظر إلى المرضى والمحبوسين من المجانين.

مكانتهم اللائقة

أحد الحاضرين يطالع عقيدتى
أحد الحاضرين يطالع عقيدتى

ويلفت الدكتور على الله إلى أن من أعظم صور العناية بذوي الاحتياجات الخاصة وضعهم في مكانتهم اللائقة ـ وبالأخص إن كانوا من ذوى الكفايات والمواهب والإبداعات ـ وإتاحة الفرصة لهم ليقوموا بدورهم في نشاطات الحياة والمشاركة في فعالياتها اليومية بكل ميادينها، وأن يندمجوا في مجتمعاتهم كبقية الأفراد والمواطنين، ومن الأمثلة على ذلك: “كان صلى الله عليه وسلم يستخلف ابن أم مكتوم رضي الله عنه على المدينة فاستخلفه مرتين يصلي بهم وهو أعمى” رواه أحمد ،  وكان ابن أم مكتوم مؤذناً له صلى الله عليه وسلم وهو أعمى،  رواه مسلم ، بل لقد شارك هذا الكفيف في الجهاد في سبيل الله في معركة القادسية فرزقه الله الشهادة فيها .واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وهو أعرج في إحدى قدميه فأرسله قاضياً وأميراً على اليمن، فلم تمنعه إعاقته عن تولي المناصب الرفيعة

رسالتان

ويرسل الدكتور على الله رسالة الي ذوي الاحتياجات الخاصة فيقول: كان عطاء بن أبي رباح من أشهر علماء التابعين والذي يعتبر إمام الفتوى ومرجعية كافة الفقهاء وأئمة المذاهب الفقهية في زمانه، وقد اجتمعت فيه كثير من الإعاقات: فقد كان أسود أعور العين أشلّ اليد أعرج القدم أفطس الأنف ، فلم تمنعه هذه الحال من النبوغ في العلم ليفوق أقرانه من أهل زمانه.

ورسالة أخرى للأغنياء يقول فيها: ابحثوا عن الفقير الحقيقي الذي وصفه الله في كتابة بقوله: “لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ” فقد يتحمل الفقير المريض الجوع ولكنه لن يعيش بدون الدواء، وهناك بنت يتيمة تأخر زواجها لأنها لا تجد من يجهزها، فيا أيها الأغنياء لا تنسوا الأرامل والفقراء والضعفاء والمحتاجين والمساكين، فقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم صحابته على هذا الخلق العظيم، فها هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يتعهد امرأة عمياء في المدينة يقضي لها حاجاتها سراً إبان خلافته للمسلمين، وكان يحلب لأهل الحي أغنامهم، فلما استخلف وصار أمير المؤمنين قالت جارية منهم – يعني من نساء الحي – بعد أن صار أبو بكر خليفة: الآن لا يحلبها. تقول: لقد صار قائد الدولة وأمير المؤمنين يسير الجيوش ويتحمل المسئوليات هل يلتفت إلى غنمنا ويحلبها؟ الآن لا يحلبها، فسمع بذلك أبو بكر رضي الله عنه فقال: بلى، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله. وكان عمر يتعاهد الأرامل يستقي لهن الماء بالليل، ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة، فدخل إليها طلحة نهاراً، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها: ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت: هذا مذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك طلحة، أعثرات عمر تتبع؟!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات