sliderالتحقيقات

إلغاء تدريب طبيب مصرى في فرنسا رفض تخفيف لحيته

علماء: تديّن شكلي يتجاوز مقاصد الشرع وفقه الأولويات

د. عمرو أبو الفضل

رغم أن الإسلام دين الوسطية والاعتدال ومنهجه قائم على تحقيق المصالح والإنجاز الحضاري، ورفض التحجّر والتواكل والاستغراق في الفروع والشكليات على حساب جوهر الدين ومقاصده، إلا أن مجتمعاتنا تعاني من آفة التدين الشكلي والتشدّد والغلو والتطرف على حساب العقلانية ومقاصد الشرع وفقه الأولويات.

ولعل قضية الطبيب المصري الذي أُلغيت دورته التدريبية بأحد المستشفيات الفرنسية بسبب رفضه “تخفيف” اللحية، نموذج لغياب الفهم الصحيح لمقاصد الدين والتمسك بالشكل دون نظر لفقه الواقع والأولويات والمآلات.

رمز دينى

وتفاصيل القضية، باختصار، تبدأ بحصول الطبيب على بعثة لمدة سنة لدراسة تخصص الجراحة بناء على اتفاق بين الحكومة الفرنسية وإحدى الجامعات المصرية، وعندما سافر، طلبت المستشفى الفرنسية من الطبيب قبل أن يبدأ تدريبه، أن يخفِّف لحيته الطويلة تخوّفاً من تأثيرها على المرضى باعتبارها قد تشكل رمزاً دينياً، خاصة وأن فرنسا تحظر الرموز الدينية في دوائر العمل الرسمية، بحكم القانون.

لكن الطبيب المصري رفض طلب المستشفى، وبعدها بأسبوعين كرَّرت المستشفى الطلب، لكنه لم يستجب واعتبر تصرفها عدم احترام لحياته الخاصة، فقامت المستشفى بإلغاء بعثته.

فرفع الطبيب دعوى قضائية ضد المستشفى، وبعد تداولها ودراستها رفضت المحكمة الفرنسية الدعوى القضائية التي أُقيمت من قبل الطبيب، واستندت لمخالفته القانون، وعدم التزامه بقواعد المؤسسة المتعددة الثقافات التي تطبّق مبدأ الحياد والعلمانية في الخدمة العامة.

وساندت المحكمة الطرف المدعى عليه “المستشفى” لأنها عندما سألت الطبيب عن اللحية، وهل يتركها لأسباب تتعلق بالمظهر أم لأنها رمز ديني؟ فكانت إجابته: إنها تعبر عن عقيدته وانتمائه الديني.

وذكرت المحكمة أن قرارها بعدم تأييد الطبيب المصري استند إلي أن اللحية حتى لو كانت طويلة، لا تعد رمزا دينيا، لكن تصبح اللحية رمز ديني حين توفر بعض الشروط الأخرى التي تؤكد نيّة الشخص المعني بالتعبير عن دينه في المظهر الخارجي، وقد قال في دعواه إن مظهره الخارجي يدخل ضمن حريته الفردية وإطلاقه للحيته هو تعبير عن ديانته.

وأكد د. منتصر مجاهد- أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس- أن التديّن الشكلي المظهري أحد الكوارث التي أصابات مجتمعاتنا وجعلت البعض يغل عن الضرورات وأهم قواعد وقيم التدين الحقيقي وصفات وسلوكيات المسلم من اجتهاد وطلب علم وعمل وصدق وتسامح وإحسان، مبينا أن هناك انتشارا لمفاهيم مغلوطة تتسم بالغلو في الدين والتنطع في الأحكام والتطرف في الفكر والابتعاد عن وسطية الإسلام، والبعض لا يدرك أن تحريف الغالين كان سببا في هلاك الأمم السابقة ممن غلوا في العقيدة أو العبادة على حد سواء فحرّموا على أنفسهم ما أحل الله وحرّموا طيبات أُحلّت لهم وخرجوا بغلوهم عن الوسطية والاعتدال التي هي سمة الإسلام، يقول تعالى: “يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل” المائدة 77، وقال- صلى الله عليه وسلم-: “إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين”، وقال: “هلك المتنطعون” قالها ثلاثا. وتواصى الأئمة فيما بينهم بالتحذير من آفات الغلو والتطرف والتشدد لأنها تشوّه حقيقة الإسلام وتلزم المسلمين بما لا يلزم شرعا.

وقال: إن الجهل وعدم العلم بمراتب الأحكام يجعل البعض يضع المندوب في مقام الواجب أو السنة ويخلطون بين المكروه والحرام ويترتب على ذلك قلب الأحكام الفقهية فيهتمون بالمندوب والسنة على حساب الفرائض والواجبات ويتشددون في المكروه على حساب المحرمات، ومثال ذلك تركهم الصلاة مع من لا يجهر بالتأمين خلف الإمام، وقولهم بهجر من يفعل ذلك ومقاطعته، مضيفاً: أن أخطر الآفات التي يقع فيها البعض الاستبداد بالرأي والتعصب والتحامق مع المخالف وقد يكون ذلك في معظم الأحيان عن جهل وقلة علم وإعجاب بالرأي واحتقار الآخرين وهذه كلها مواقف تتنافر مع روح الإسلام ونصوصه.

خلط متعمّد

وحذّر من الخلط بين الخطأ عن جهل ومن يخطئ عن قصد، وبين المجتهد المخطئ والمتعمد في خطئه، وعدم الاعتراف بالآخر وسوء الظن بالآخرين، والميل والجنوح إلى التشدد والتعسير على الناس وإلزامهم بما لا يلزم، وتكفير المجتمعات، مشيراً إلي أن المنهج الإسلامي بمفهومه الصحيح يرفض التطرف وينطلق في ذلك من أحاديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأفعاله ومن النهي الصريح في القرآن الكريم عن الغلو وتحذير الرسول منه “يسّروا ولا تعسّروا بشّروا ولا تنفّروا”، كما أن التطرف في مضمونه خروج عن الوسطية التي هي خاصية المنهج الإسلامي الذي يرفض التطرف والغلو والتقوقع في الماضي والتعبد بالتراث والتمسك بالشكليات على حساب الضرورات والمصالح العامة وما يحتاجه المسلم ومجتمعه.

ويؤكد تحصيل العلم من أهم الواجبات التي يجب على المسلم أن يحرص عليها ويسعى لتحقيقها لأنها تحقق العزة والمنعة وتتيح للمجتمعات التقدم والعيش الكريم والقدرة على مواجهة التحديات بفاعلية والمشاركة في صناعة الحياة والتأثير في التاريخ وتبوأ المكانة الحضارية اللائقة بالأمة.

خطاب التشدد

ويقول الشيخ منصور الرفاعي عبيد- وكيل وزارة الاوقاف لشئون الدعوة سابقاً-: إن البعض يُسيئ إلى الإسلام بالأفكار المتطرفة العدمية وخطاب التشدد الذي يتجاهل متغيرات العصر واحتياج الأمة لتحكيم العقل والبحث عن العلم والمعرفة، مؤكدا أن الشرع  حضّ على التواصل الحضاري والإبداع والابتكار والإنتاج والإنجاز لتقدم الإنسانية ويرفض أن نكون عالة على المجتمعات الأخرى، فتقدم أُمتنا مرهون بالعمل الحضاري الواعي الذي يحدد الأولويات ويهتم بروح الإسلام ومقاصده ويرتكز على التجديد والاجتهاد ورفض الانسياق وراء دعاوى التحجّر وإشغال الناس بالفروع وترك الأصول والكليات والاهتمام بالشكل على حساب الجوهر والتربية على الإيجابية والعطاء الحضاري والبذل والتضحية وبربط الوظيفة الاجتماعية للإسلام بالمسئولية المدنية والأخلاقية وتقوية الوازع الأخلاقي في النفوس.

ويوضح أن طغيان الخطاب الاسلامى المتشدد أثّر بشدة على مفهوم التديّن ذاته فأصبح أقرب للتدين الشكلي الخارجي منه إلى التدين الوسطي الحضاري، ونحن مطالبين أن نعلِّم أبناءنا على قيم الإسلام والاعتدال وبناء العقلية المنطقية التي تأخذ بالأسباب وتعتمد على الحوار الهادئ ورفض الانغلاق والمغالاة والتشدد الفكري والسلوكي.

حُكم اللحية

وعن الحكم الشرعي للحية وإعفائها، قال الشيخ عبيد: المقرر شرعا أن إعفاء اللحية وعدم حلقها مأثور عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وقد كان يهذّبها ويأخذ من أطرافها وأعلاها بما يحسنها بحيث تكون متناسبة مع تقاسيم الوجه والهيئة العامة، وقد كان يعتني بتنظيفها بغسلها بالماء وتخليلها وتمشيطها، وقد تابع الصحابة رضوان الله عليهم الرسول فيما كان يفعله وما يختاره. يضيف: وردت أحاديث نبوية شريفة ترغب في الإبقاء على اللحية والعناية بنظافتها؛ كالأحاديث المرغّبة في السواك وقص الأظافر والشارب، فحمل بعض الفقهاء هذه الأحاديث على الوجوب وعليه يكون حلق اللحية حراما، بينما ذهب بعضهم الآخر إلى أن الأمر الوارد في الأحاديث ليس للوجوب، بل هو للندب أو للإرشاد وعليه يكون إعفاء اللحية سنّة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، وذهب كثير من العلماء والمحققين إلى أنها من سنن العادات وليست من الأمور التعبدية، وأن الأمر الوارد فيها ليس للوجوب ولا الاستحباب، بل هو أمر إرشاد.

وقال: يجب على المسلم أن يلتزم بالقواعد المنظمة للعمل أو الدراسة في البلاد غير الإسلامية، وعليه أن يحرص على كل ما يترتب على ذلك من مصالح غالبة ومفاسد مندفعة، مما تترجح فيه المصلحة من تحصيل العلم وتولي الوظائف وتقدير المفسدة منها، وأن يكون هدفه الإسهام في تحصيل مصالح المسلمين، ودرء المفاسد والأضرار عنهم، وتعزيز مركزهم، والحفاظ على مصالحهم الدينية والدنيوية، على ألا يترتب على سعيه ما يؤدي إلى تفريطه في دينه.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق