رسالة من داعية

مفهوم العمل والدعوه في وقت واحد

بقلم الداعيه: سمر محمد حسانى.. واعظه بالأزهر الشريف

إن مما يتعارف عليه الناس الحكمة الشهيرة التى تقول “ما لا يدرك كله لا يترك جله” أو “ما لا يدرك جله لا يدرك كله” أيًا كانت المقولة الأشهر فالمقولتان صحيحتان.. والمتتبع لديننا الحنيف يجد ذلك بوضوح، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم” هكذا نبني حياتنا على ما نستطيع، على ألا نترك الأمر لأننا لا نستطيع إدراك كله أو جله، وهكذا هي حياتنا بالفعل إدراك ما يمكن إدراكه، والحديث عن الأمر الواقع يقودنا إلى مشكلة العمل ومفهوم الدعوه، وهي مشكلة دائمة وموجودة في كل البلاد، فكيف اعمل وأدعو إلى الله في وقت واحد، والعمل  يأخذ كل وقتي؟

إنه من الجميل أن أحمل همَّ الدعوة في قلبي، وهذا أمر يحمد لك اخى القارئ ، ومن المفروض علينا أن نكون متفوقين في عملنا ، وهو ان تكون مخلص في عملك  ، وبذلك تكون قد جمعت بين الخيرين؛ التفكير في الدعوة والاخلاص في العمل، وتبقى نقطة أخيرة، كيف يكون التوفيق بينهما؟

اعلم أخى القارئ أن تفوقك في عملك هو في حد ذاته دعوة إلى الله ، فالمسلم المخلص في عمله أدعى أن يسمع له الناس ويثقوا به ويعجبوا به. فلماذا لا يكون المسلمون هم الأوائل الذين يشار إليهم بالبنان؟

كما لا تنسَى أن تعاملك مع زملائك وسلوكك داخل عملك هو أيضا دعوة إلى الله فهو كما يقال دعوة بالحال قبل المقال. فلنكن كما كان رسولنا صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وقبل أن يمارس الدعوة إلى الله، فقد كان مشهورا بالصادق الأمين وهو ما أهله لأن يكون أهل ثقة وكلامه ذو مصداقية. ومثل يوسف الصديق عليه السلام حينما كان في السجن وجاءه رجلان يستفتيانه في أمرهما ووضحا سبب اختيارهما له دون غيره، في قوله تعالى “إنا نراك من المحسنين” فكان ذلك بداية ممهدة لدعوتهم لعبادة الله الواحد.

أود أن أذكرك بلفتة لطيفة ذكرها بعض المفسرين للقرآن الكريم عند حديثهم عن قصة السيدة مريم في سورة مريم، عندما حانت لحظة ولادتها لعيسى عليه السلام، عندما أمرها ربنا أن تهز جذع النخلة ليتساقط الرطب عليها، “.. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا،فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا، وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيا، فكلي واشربي وقري عينا، فإما ترين من البشر أحدًا فقولي إنى نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيًا”

الشاهد هنا هو أمر الله للسيدة مريم أن تهز جذع النخلة، وتعالَ معي لنرى المشهد مصورًا: امرأة حامل –والحمل يجعلها ضعيفة-، في ساعة الولادة –والولادة تزيدها ضعفًا على ضعف-، جائعة -وهذا ضعف ثالث يضاف-، يائسة – ضعف رابع-، يطلب منها الله – سبحانه وتعالى الخالق الصمد الذي لا يحتاج إلى أحد وإنما أمره كن فيكون-، أن تهز جذع النخلة -الشديد القوي الذي لو هزه الرجل القوي فبالكاد يسقط بضع ثمرات، فكيف بالمرأة المتراكمة عليها أسباب الضعف؟-، رغم كل ما سبق فقد طلب منها الله –غير المحتاج لذلك سبحانه- أن تهز جذع النخلة كي ينزل عليها “الرطب الجنيّ”، لأنه سبحانه يريد منها أن تبذل ما تستطيع، والباقي عليه سبحانه، بشرط أن تبذل هي ما تستطيع.

إذن فعليك اخى القارئ أن تقوم بما تستطيع ، ثم اترك الباقي على الله سبحانه وتعالى، وكما قال صلى الله عليه وسلم: “ولكن سدِّدوا وقارِبوا” ، فسدّدْ وقارِبْ، واعلم أنه متى ما تيقن الله من استنفاذك كل طاقتك فسترى ثمرات جهدك تتساقط عليك رطبًا جنيًا، فتقر عينك، ويهدأ بالك.

وثق فى النهاية أن الله سيبارك في وقتك، متى ما تحقق منك حق البذل والعطاء، “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات