رسالة من داعية

حكم الدعاء عامة.. ودعاء نصف شعبان خاصة

بقلم: الشيخ أشرف فتحى الجندى.. داعية بالشرقية

يقول الإمام المُجدِّد السيد محمد ماضي أبو العزائم، في كتابه “مشارق البيان في فضائل شعبان”: لا يكون المؤمن مُخلصًا في دعائه حقيقة الإخلاص، مادام له تدبير وحول وقوة في رفع ما يدعو لكشفه، حتى يتحقق بالعجز عن دفعه، بحوله وقوته وماله وأهله والناس أجمعي .

أهل السفينة

مثال ذلك ما يحصل لأهل السفينة، فإنهم يدعون الله تعالى مع اعتمادهم على الرُبَّان وعلى المَلَّاحين، فإذا علاهم موج كالظُلَل، وجزع الرُبَّان والمَلَّاحون ودُهِشوا، عند ذلك يُخلص الكل الدعاء لله، كما قال سبحانه وتعالى: “وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ” يونس  ٢٢ .

وقد يحصل الإخلاص الحقيقي في الدعاء، للأفراد الذين كوشفوا بحقيقة التوحيد، وتحققوا أن الضار والنافع هو الله فإنهم لخشيتهم من الله لا يتحقَّقون بنفع الأشياء النافعة، ولا بضرر الأشياء الضارة، فهم يدعون الله مخلصين، أن يدفع عنهم الضر ويمنحهم النفع، ولا تخلو الأحوال التي تصيب بني آدم في أبدانهم وأموالهم وأهليهم، من الحكم الربانية، فيفزعون إلى الله تعالى ويسألون العارف أن يدعو الله لهم، فيكشف الله عنهم ما ألَمَّ بهم.

فإن دعاء العارف يهدي النفوس إلى معرفته سبحانه، فيعلمون أن لهم إلها جبارا، عالما قديرا، يسمع دعاءهم ويعلم ما هم فيه وهو قادر على نجاتهم، يراهم وإن كانوا لا يرونه، ويسمع دعاءهم ونجواهم.

وعلى هذا القياس، فإن كل ما يصيب الناس من الجهد والبلاء، يضّطرهم إلى الدعاء، والتضرّع إلى الله عزَّ وجلَّ ليُذهب الغلاء والوباء، وآلام الأطفال ومصائب الأخبار ومشاكلها من الأمور السماوية، التي لا سبيل لأحد عن دفعها عنهم إلا الله تعالى، فيكون ذلك دلالة لهم على الله عزَّ    وجلَّ، وهداية إليه كما قال سبحانه: “أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ” النمل: ٦٢ .

دعاء ليلة النصف

يقول الله تعالى: “يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ” الرعد : ٣٩ يجب عند من يتأوَّل هذه الآية الشريفة أن يكون على علم بالأدب الواجب لحضرة المُتكلِّم جلَّ جلاله، وعلم بنفسه حتى يعلم كلام الله بتأييد روحاني من الله تعالى، وقد أُنزلت هذه الآية بعد قوله سبحانه: “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ” الرعد : ٣٨ ومعناه عند العارفين بالله أن الله يمحو من القلب ما يشاء ويُثبت ذاته، حتى لا يرى الواصل إلا وجهه الجميل، فينكر عليه أهل العقل الواقفون عند الأسباب فيقف الإنسان عاملا في الأسباب ناسيا ربه جلَّ جلاله!

وإذا كان الله تعالى قد تعرَّف إلى عباده بما خلقه من الكائنات وبما جمَّل به سبحانه الجوارح المجترحة  والقوى العقلية والنفسية، فكيف يقف الإنسان الجاهل بربِّه عند الأسباب ناسيا مُسبِّب الأسباب؟!

وقد يمحو الله الكُفر ويثبت الإيمان، وقد يمحو الإيمان ويثبت الكفر، أعاذنا الله من ذلك، وهذا ما فهمه العارفون في تلك الآية.

فِهْم العقول

أما ما فهمه أهل العقول وذكره المفسّرون فهو ما نراه كل يوم من آية المحو والإثبات، فإن الله سبحانه يمحو النباتات ويُثبت غيرها أو يثبتها  بعد محو الأولى، ويمحو الحيوانات ويثبت غيرها أو هي بعينها، ويمحو الأناسى ويثبت غيرهم أو بعضهم، ومن فهم أن ذلك المحو والإثبات في علم الله القديم فقد جهل، لأن الله تعالى عالم بذاته، علم الأشياء تفصيلا وإجمالا، فيبرز ما أراد إبرازه في مكانه وزمانه المُقدَّرَين في علمه، وقد يمحو السيئات فيسترها عن العبد وعن الملائكة ويثبت الطاعات والقربات.

وقال بعض العلماء: إن علم الله تعالى لا يمحى منه شيئا ويثبت غيره، وإن علم الله هو أم الكتاب، أما ما بأيدي الملائكة هو ما نسخ من أم الكتاب، فقد يكون بيد مَلَك الموت قبض روح فلان في ساعة كذا أو يوم كذا، وقبل تولِّيه قبضها ينظر فيرى في أُمِّ الكتاب أن الله قدَّر على هذا الشخص أن يموت في يوم كذا بالفعل، ولكنه سأل الله أو تقرَّب إلى الله فقبل الله قربته ودعاءه فأطال عمره إلى أجل آخر، وكل هذا مُسَطّر في أُمِّ الكتاب.

قَدَرُ الله

وكذلك يُقدِّر الله على فلان الفقر في أجل محدود فيتفضَّل عليه فيُغنيه في زمان ومكان آخرين، كل هذا في أُمَّ الكتاب وفيها ما قدَّره الله من معصية فطاعة، ومن مرض يعقبه صحة، ومن ومن ومن… إلخ، فلا محو ولا إثبات في علمه القديم، عز وجل، وإنما هو بالنسبة لما تُبرزه الأقدار وتظهره تصاريف الغيوب.

ومجيئ هاتين الآيتين أفادت أن الفاعل المختار الذي يمحو ما يشاء ويُثبت ما يشاء، هو القادر على أن يُنزِّل الآيات بإرادته لا بطلب نبي ولا وَلِيّ.

أُمُّ الكتاب

وأُمُّ الكتاب هي علم الله القديم، أو مجمع العلم الإلهي بالأشياء مجملة ومفصَّلة وكائنة، ومعنى “يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ” الرعد : ٣٩، أن لديه سبحانه علم كل شئ وليس لنبيّ ولا وليّ ولا مَلَك الإطلاع على هذا الغيب المكنون إلا بتعليم الله تعالى، كما قال سبحانه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ “…البقرة: ٢٨٢.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات