رسالة من داعية

السيدة خديجة بنت خويلد رضى الله عنها.. سيدة نساء العالمين

بقلم :منال المسلاوى.. الداعية بوزارة الأوقاف

موعدنا مع أول نجمة تتلألأ فى سماء البيت المحمدى , مع سيدة نساء العالمين مع أم القاسم السيدة خديجة بنت خويلد بن أسد ابن عبدالعزى بن قصى بن مرة بن كلاب , القرشية الأسدية , ولدت بمكة المكرمة قبل عام الفيل بخمسة عشر عاما” , و هى من حققت ناجحا” فى عالم التجارة نافست به رجال قريش , عانت فى حياتها الكثير حيث تزوجت مرتين قبل الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فقد  تزوجت من أبا هالة بن زرارة التميمى ورحل بعد أن أنجبت منه هندا” , ثم تزوجت عتيق بن عابد بن عبدالله المخزومى , لكن هذا الزواج لم يدم طويلا” .

 حياتها مع النبى ( صلى الله عليه و سلم ) :

عرضت على النبى ( صلى الله عليه وسلم )  أن يخرج بمالها إلى الشام للتجارة مع غلامها ميسرة  بعد ما علمت عنه من صدق الحديث والأمانة و كرم اخلاقه , وحكى لها غلامها ميسرة عن بعض علامات و دلائل النبوة التى ظهرت علي النبى ( صلى الله عليه وسلم )  أثناء رحلته إلى الشام , حينما نزل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فى ظل شجرة قريبة من صومعة راهب فخرج الراهب إلى ميسرة و قال له ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبى , وحكى لها أيضأ ميسرة عن أنه كان يرى ملكين يظلانه من الشمس و هو يسر على بعيره , وكانت السيدة خديجة رضى الله عنها قد رأت من قبل فى منامها أن الشمس تهبط من السماء و تستقر فى دارها , و قد فسر لها إبن عمها ورقة ابن نوفل هذه الرؤية بقوله لو صدق الله رؤياك ليدخلن نور النبوة دارك و ليفيضن منها خاتم النبيين .

و عندما إجتمعت لديها دلائل النبوة بأن محمدا” هو الرحيق المختوم الذى يختم به الأنبياء تمنته زوجا” لها , وهنا تدخلت صديقة لها و عرضت فكرة الزواج من السيدة خديجة على النبى ( صلى الله عليه وسلم ) و ذهب إلى أعمامه و أخبرهم برغبته فى الزواج من خديجة ( رضى الله عنها ) و تم الزواج المبارك بموافقة الأهل , وكان عمر النبى ( صلى الله عليه وسلم ) خمسة وعشرون عاما” ,  وعمر أمنا خديجة ( رضى الله عنها ) أربعين عاما” , و لم يكن فرق السن بينهم عائق و كانت تشعر بأن زوجها سيكون له شأن عظيم , و تتوالى الأحداث و اللحظات السعيدة حيث ولدت أمنا خديجة ( رضى الله عنها ) أول مولود للحبيب ( صلى الله عليه وسلم ) و هو القاسم ثم بعد ذلك أنجبت باقى الأبناء زينب و أم كلثوم و فاطمة و عبدالله ورقية , مات الذكور و هم صغار , أما البنات فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن , و ماتوا فى حياة النبى ( صلى الله عليه وسلم )  إلا فاطمة  توفيت بعده بستة أشهر .

عندما عاد إليها النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بعد ما نزل عليه الوحى و قال زملونى زملونى و أخبرها بما حدث قال لها ) لقد خشيت على نفسى ) فهدأت من روعه و قالت له : كلا , أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا” , إنك لتصل الرحم , وتصدق الحديث , و تحمل الكل , و تكسب المعدوم , و تقرى الضيف و تعين على النوائب , تلك هى الزوجة المخلصة , ثم ذهبت به إلى إبن عمها ورقة إبن نوفل الذى أخبرهم بأن هذا وحى و أنه سيكون خاتم النبيين , و كان هذا الوحى له أثر عظيم فى حياة البشرية , فقد إصطفاه الله فى ليلة من أعظم الليالى و هى ليلة القدر ليكون خاتما” للنبيين و المرسلين و بشيرا” و نذيرا” للناس أجمعين  .

تعرض بعد ذلك للإيذاء و السخرية  فواسته وثبتته و هونت عليه  , و استمر إيذاء المشركين له و لأصحابه فأذن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة , وودعت أمنا الحبيبة إبنتها رقية و زوجها عثمان ( رضى الله عنه ) و هى راضية و صابرة و محتسبة ذلك عند الله فى سبيل نصرة هذا الدين العظيم , و تآمر المشركون عل قتل النبى ( صلى الله عليه وسلم ) و تأمر المشركين على بنى هاشم و قطعوا عنهم الأسواق و منعوا عنهم الطعام و اشتد الحصار , وظلت أمنا خديجة ( رضى الله عنها ) بجوارزوجها صابرة  تشد من أزره و تتحمل معه الأذى .

 منزلتها :

حظيت السيدة خديجة ( رضى الله عنها ) بمنزلة لم تنالها أي زوجة من زوجات النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فهى أول زوجة من زوجات الحبيب المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ), و هى أول إمرأة أسلمت على وجه الأرض , وأول إمرأة نالت شرف الصلاة مع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) , وهى أم أبنائه  ( صلى الله عليه وسلم ) , وهى من نالت شرف الوقوف بجوار النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فى اللحظات العصيبة الأولى لنزول الوحى عليه , فوقفت بجواره و ساندته وصدقته حين كذبه قومه , وهى أول أم من أمهات المؤمنين , وحظيت أيضا” بإنفرادها بالنبى ( صلى الله عليه وسلم ) كزوجة فلم يتزوج عليها أثناء حياتها , لم يحب إمرأة فى حياته مثلها وشهد لها الحبيب المصطفى شهادة لم تنالها أى أم من أمهات المؤمنين ( رضى الله عنهم ) غيرها فقد قال عنها :  ( و الله ما أبدلنى الله خيرا” منها آمنت بى حين كفر الناس , وصدقتنى إذ كذبنى الناس وواستنى بمالها إذ حرمنى الناس , ورزقنى الله منها الولد دون غيرها ) .

و قطع الإسلام فى مكة عشرة أعوام مليئة بالأحداث الضخمة , و فى عام أطلق عليه عام الحزن صعدت روحها الطاهرة إلى بارئها تاركة بناتها الأربع و تاركة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يعانى من ألآم فراقها وبعدها عنه فقد كانت نعم الزوجة الصابرة  وخاصة أنه فى نفس العام  فقد عمه أبو طالب .

و قد أثنى عليها الرسول صلى الله عليه و سلم بقوله : ( كمل من الرجال كثير و لم يكمل من النساء إلا أسية إمرأة فرعون و مريم بنت عمران – و خديجة بنت خويلد – و إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام )

ولم تستطيع أى إمرأة من زوجات النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أن تحتل مكانتها فى قلبه أو تنسيه حبها , وكانت السيدة عائشة ( رضى الله عنها ) تغير منها غيرة شديدة .

 الدروس المستفادة من حياة السيدة خديجة ( رضى الله عنها ) فى حياتنا :

1 – من حق المرأة إختيار شريك حياتها.

2 – الحياء من الصفات الجميلة التى يجب أن تتحلى بها المرأة , فأمنا خديجة ( رضى الله عنها ) عندما رغبت فى الزواج من النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لم تصرح له بذلك ولكنها فاتحت من يؤتمن على سرها وجعلته يتوسط بينهما .

3 –  أن المرأة حينما تفكر فى الزواج لم تفكر فى المال والثروة والجاه ولكنها فكرت فى الشخصية التى تكون جديرة بالإرتباط بها , فكرت فى الأخلاق , فكرت فى الشخصية التى ستعاشرها وتحيا معها ما بقى من عمرها , و عندما قررت أن تختار إختارت أبا” لأبنائها فى المستقبل , فهى أمنا وقدوتنا وعلينا أن نتعلم منها و أن نضعها  أمامنا مثالا” , فهى مثال للمرأة العاقلة الحكيمة التى تركت العاطفة جانبا” وحكمت العقل فى إختيارها لشريك حياتها .

4 – أن فرق السن بين الزوجين ليس له علاقة بالسعادة الزوجية و إنما السعادة الزوجية تكمن فى الإختيار الصحيح للزوجين .

5 – أن الحالة الإجتماعية للمرأة قبل الزواج ( مطلقة أو أرملة ) ليس لها تأثير على علاقتها بالزوج الجديد .

6 – أن للمرأة ذمة مالية مسقلة و من حقها أن تتاجر بمالها و أن تختار من يعمل معها و ينوب عنها فى تجارتها .

7 – المرأة المسلمة يجب عليها أن تكون سندا” لزوجها و أن تعينه فى أمر دينه .

8 – على الزوجة أن تهيىء الجو المناسب فى بيتها و أن تجعل من بيتها الملاذ الذى يساعد الزوج على الراحة و الإستجمام من مشآق الحياة ومتاعبها , فالزوج إذا لم يجد الراحة فى بيته ويجد من يحتضنه لينسيه همومه ومتاعبه , فأين يجد راحته .

9 – الطاعة من أهم الدروس المستفادة من حياة السيدة خديجة ( رضى الله عنها ) مع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فقد أطاعته حين دعاها للإسلام دون مناقشة أو جدال و ساندته بمالها و تحملت معه صعاب الدعوة والجهاد فى سبيل الله .

10 – حياة الداعية عرضة للإبتلاءات وهنا ضربت السيدة خديجة ( رضى الله عنها )أروع الأمثلة فى التخفيف عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ما رأه من إبتلاءات .

بناتنا ونساءنا عليهن أن يتعلمن من الدروس و العبر والوقفات المستفادة من حياة سيدة نساء العالمين ( رضى الله عنها ) فى حياتهن , فهى أمنا وقدوتنا وخير مثال يحتذى به فى إختيار شريك الحياة , وفى كيفية معاملة الزوج , والصبر على تحمل مصاعب الحياة , فهنيئا” لمن تتعلم من هذه الدروس والعبر وتطبقها فى حياتها .

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات