رسالة من داعية

إلى أين نحن ذاهبون ؟

بقلم: خالد الشناوي

ليس إنسانا من لم يسأل نفسه من أين أتيت ؟ وإلى أين سأذهب ؟ وما حقيقة الحياة ؟ وما حقيقتي ؟ لا يستحق العيش من لم يقف مع نفسه ولو لمرة واحده يسألها عن سر وحقيقة وجوده وحقيقة هذه الحياة التي يعيش بين جنباتها ويحياها !!

فالحياة تمضي بنا بحلوها ومرها، خيرها وشرها، ووسط هذا المعترك الصعب لابد من نافذه روحانية يتنفس الإنسان من خلالها الصعداء نحو الهدوء والسكينة وراحة الضمير وهذا كله لا يتحقق إلا بنفس راضية عن ذاتها أولا وعن خالقها آخرا وذلك يكون بالإرتماء في أحضان  الله عز وجل  لكونه الأمان المطلق والسير نحو السعادة الأبدية .

وكون هذه الحياة قصيرة وفانية والموت هو نهايتها الحتمية كان لابد للعاقل الفطن أن لا يجعلها غاية تنتهى إليها كل طموحاته،وإن فعل هذا تحطمت على عتبات دنياه كل ما سعى إلى تشييده وبنائه وكان الندم يوم لا ينفع الندم.

إن حركة الحياة حركة سريعة جدا للغاية القصوى،فلا تعرف الهدوء والسكون، فهي ليل ونهار،هدوء وتعب،عمل وراحة، وكل يوم تعاد ذات الكرة فينة بعد أخرى !

إن استمرار هذه الحركة التي لا تعرف السكون وبهذه السرعة تجعل كلا من الأرض والشمس تبتعد كل سنة عن موقعهما في السنة الماضية بنحو 500  مليون كم! لذلك فنحن نعيش فوق أحد هذه الأجرام السماوية التي تتحرك بسرعة فلكية مخيفة. وبالإضافة إلى هذا فإن كوكبنا يعد كوكباً صغيراً وعادياً فيما  إذا قورن مع بقية الكواكب الموجودة في هذا الكون الواسع المترامي الأطراف !!

إن هذه الدرجة العجيبة من الدقة في التوازن الموجود في نظام الكون تشير إلى حقيقة لا مفر منها وهي, أن حياتنا على كوكبنا الأرضي مرتبطة بقيد شعرة!. لأن الأجرام السماوية  إذا تزحزحت أو تحركت أو انحرفت ببضع ميليمترات فقط خارج أفلاكها فإنه من الممكن أن تتولد نتائج وخيمة تجعل الحياة فوق كوكبنا مستحيلة. لقد كان من الممكن حدوث حوادث واصطدامات مروعة ضمن هذا القدر الكبير من السرعات المختلفة وهذا القدر الكبير من التوازن الموجود داخل هذا النظام, ولكن الحياة لا تزال مستمرة على كوكبنا، ولا زلنا مستمرين في العيش مما يشير إلى أن احتمال وقوع الكوارث فيه أمر نادر, فالنظام فيه مستمر ويسير دون أي خلل أو اضطراب. ونحن البشر نعيش على هذا الكوكب ونستمر في هذا العيش بأمان من دون أي قلق دون أن نشعر حتى بسرعة دوران الأرض !!

أكثر الناس لا يفكرون كثيرا في كيفية استمرار هذه الحياة على الأرض، ونظرا لأنهم لا يفكرون، فهم لا يدركون أن حياتهم مرتبطة في الحقيقة بتوفر شروط غير اعتيادية تفوق الخيال. ولا ينتبهون إلى هذه الحقائق, لذا نرى أن أغلبية الناس الذين يعيشون على هذا الكوكب لا يدركون لأي غاية محددة خلق هذا الكون, فهم يستمرون في حياتهم دون أن يعبئوا كثيرا بسبب ولا بغاية وجودهم على هذا الكوكب ولا يعيرون أي اهتمام إلى هذه الدرجة العالية من التوازن والنظام العجيب الموجود في كل زاوية من زوايا هذا الكون العظيم. بينما العقل و التأمل هو الذي يجعل الإنسان إنساناً ويميزه عن باقي المخلوقات وهو أثمن العطايا التي منحها الله لبني البشر. والإنسان الذي لا يفكر ولا يستخدم ملكة العقل عنده لا يمكن أن يصل إلى الحقائق حول العديد من الأمور مثل: لماذا ولأي سبب يعيش الإنسان؟ لماذا خلقت الدنيا ؟؟!!

وبعد هذا كله يتبقى السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: إلى أين نحن ذاهبون ؟ وتتأتى الإجابة الطبيعية من بحث العقلاء المنصفين عن حقيقة حياتهم وأنها لم تكن هباء بل لها نهاية وبداية، نهاية حياتهم من فوق هذه البسيطة ( الحياة الدنيا ) وبداية رحلتهم الأبدية حيث الحياة الباقية ( الدار الآخره )، ولابد من إعداد العدة والزاد والراحلة لقطع هذه المسافات البعيدة والعقبات الكؤود .

وهذا يتحقق باللجوء إلى علام الغيوب، والقيام على قدم العبودية بأن تكون الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا وتلك هي المعادلة الصعبة بأن نجعل الحياه وسيلة وليس غاية .

أليس من الغباء والحماقه أن يضحى الإنسان بحياته الأبدية من أجل متعة قصيرة مصيرها إلى زوال لا محالة ؟ كم من شهوة ذهبت لذاتها وبقيت تبعاتها !!

مقالات ذات صلة

27 thoughts on “إلى أين نحن ذاهبون ؟”

  1. مقال كبير لكاتب كبير لطالما أثقلنا بفكره وقلمه في أخبار اليوم والأزهر ومجلة التصوف الاسلامي ..حقيقة مقال ذا فكر ورؤية دينية علمية وفيه فلسفة الكاتب وحرفيته ….دمتم بالف خير كاتبنا الكبير والحقيقة قلمك محترمك كشخصك المحترم …وإلى مزيد من النجاح والتقدم والتوفيق…اللهم امين

    وخالص الشكر لجريدة عقيدتي العريقة والقائمين علي تحريرها لتبنيهم نشر هذه المقالات الهادفة .

  2. مقال شديد البلاغة والحكمه وكأنه تأكيد على آيه من آيات الله
    {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (17)} #الأعلى
    نسأل الله لكم التوفيق الدائم لدمج معانى القرآن فى أحوال الدنيا وأسرارها ..جعلكم الله دوما سببا للنفع وامدكم بفيوضات انواره وتجلياته .

  3. فعلا دي حقيقة الانسان.. فالمرء لو يعلم كل شيء لكن فتنه الدنيا والطمع فيها تغطي على كل هذا الحيثيات.. اصبت واحسنت وذادكم الله علما ونورا وبصرا وبصيره.. واصلح حال المسلمين اجمعين

  4. إلى أين نحن ذاهبون ؟
    عنوان محير دائما يسال الانسان نفسه او يتسأل الى من اللجوء لغير رب رحيم
    ولكن اخي في لله كن ممن أدرك نفسه ، و تنبه إلى سقمه و جزه ، و سمع القول فأتبع أحسنه ، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب و ألقى السمع و هو شهيد .. بوركت ايها الكاتب

  5. إلى أين نحن ذاهبون ؟
    سؤال محير ؟ دائما نسأل انفسنا او نتسائل إلى أين نحن ذاهبون ؟
    لا ملجاء لنا غير باب رب كريم ولكن اخي في لله كن ممن أدرك نفسه ، و تنبه إلى سقمه و جزه ، و سمع القول فأتبع أحسنه ، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب و ألقى السمع و هو شهيد .. بوركت ايها الكاتب

  6. مقاله رائعه وفيها رؤية عميقه وأبعاد عديده سلمت أناملك ربنا يزيدك نور على نور وعلم …. اللَّهُمَّ سق الينا مِنْ رَحمَتِكَ مَا يُغنِينَا، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكاتِكَ مَا يَكْفِينَا، وَادْفَع عَنَّا مِنْ بَلائِكَ مَا يُبْلِينَا، وَألْهِمْنَا مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ مَا يُنْجِينَا، وَجَنِّبْنَا مِنَ العمِلِ السَّيءِ ما يُردِينَا، وَأَفِضْ عَلَيْنَا مِنْ نُورِ هِدايَتِكَ ما يُقَرِّبُنا مِنْ مَحَبَّتِكَ ويُدنِينَا، وَادْفَعْ عَنَّا مِنْ مَقتِكَ ما يُؤذِينَا، وَاقْذِفْ في قُلُوبِنَا مِنْ نُورِ مَعرِفَتِكَ ما يُحْيِينَا، وَارْزُقنَا مِنَ اليَقينِ مَا تُثَبِّتُ بِهِ أفئِدَتَنا ويَشْفِينا، وَعَافِنَا ظَاهِراً وَبَاطِنَاً مِنْ كُلِّ مَا فِينَا

  7. مقال بسيط و فعال… احسنتم سيدي… اللهم لا تجعل الدنيا في قلوبنا و اهدنا لصالح الاعمال… هي زادنا في رحلتنا الابديه… اللهم ان الطريق طويل و الزاد قليل فأعنا علي الزهد في الفانيه و الاخلاص في حبك يا حق

  8. الله يفتح عليك مقالة معبقة بالروحانيات وصوفية رقيقة حانية ما أحوج نفوسنا إليها للتحرر من جدب الحياة تحياتي

  9. مقال راءيع و له ابعاد شيقه لكن العنوان شيق و يحتاج الاجابه منك الى اين نحن ذاهبون
    تسلم ايدك استاذ خالد انشرت فا ابدعت
    تحياتى لك

  10. . الله يبارك لك الكاتب الكبير خالدبك الشنناوى. ( أبيات أعجبتني ) طرقت باب الرجا والناس قد رقدوا .. وبت أشكو الي مولاي ما أجد وقلت : يا أملي في كل نائلة .. ومن عليه لكشف الضر أعتمد أشكو اليك أمورا أنت تعلمها .. مالي علي حملها صبر ولا جلد وقد مددت يدي بالذل معترفا .. اليك يا خير من مدت اليه يد وظني فيك يااااااا ربي عظيم .. ورجائي في عفوك يا الهي أعظم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات