sliderرسالة من داعيةرمضان

أسرار الصوم الكامل والمقبول

بقلم: الشيخ محمد عبدالعزيز عثمان..إمام بأوقاف سوهاج

الصوم من أعظم العبادات التى يتقرَّب بها العبد إلى ربِّه تبارك وتعالى، وهو سِرّ بين العبد وربِّه، وله أسرار ودرجات، نقول عنها وبالله التوفيق: صوم العموم: وهو كف البطن والفَرْج عن قضاء الشهوة.

أما صوم الخصوص: وهو كفّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام وكل ما يُنقِص من أجر الصائم بمعنى أن يتخلّق بأخلاق الصيام.

التقرّب إلى الله

فالصيام في حقيقته هو التقرّب إلى الله تعالى بترك الحلال من طعام وشراب وشهوات، ومعلوم أنه لن يتأتّى التقرّب بترك المُباحات إلا بعد التقرّب بترك المُحرَّمات، ولهذا قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)، فالله عزَّ وجلَّ ليس بحاجة إلى العباد وإلى طاعاتهم، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضرّه معصية العاصين، فإن لم تَتَقَوَّمْ أخلاقُ الصائم بصيامه فلا قيمة له لأنه فَقَدَ الغرضَ الأهم منه، لأن الله لم يرد أن يعذّب العباد بترك ما يشتهون ويألفون، ولكنه أراد منهم أن يَدَعُوا مساوئ الأخلاق والتي منها قول الزور والعمل به، فأهون الصيام ترك الشراب والطعام.

صوم الصالحين

وقد ورد عن سيدنا جابر- رضي الله عنه- قوله: (إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ، وبَصَرُكَ، وَلِسَانُكَ، عَنِ الْكَذِبِ، وَالْمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَصَوْمِكَ سَوَاءً) (مصنَّف ابن أبي شيبة)، وما أبلغ قول الشاعر:

إذا لــم يكـــن في السمـــــع مني تصـــــــاون وفي بصــــري غـــــض وفي منطـــــقي صمــــــتُ

فحـــظِّي إذاً من صــــومي الجـــوع والظمـا فإن قلـــت إني صمـــت يومــــي فمـــــا صمـــــــتُ

من أخلاق الصائمين

ومن أخلاق الصائمين: صيانة اللسان وحفظه، عن الخوض فيما يفسد عليه صيامه وقيامه، فعلى المسلم ألا يتكلَّم إلا بالخير ويحذر من سبّ الناس وشتمهم، ولا يتكلّم فيما لا يعنيه، قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) (صحيح البخاري).

رمضان السَلَف

وانظر كيف كان السلف الصالح- رضي الله عنهم- يعيشون رمضان ؟ عاشوه بقلوبهم ومشاعرهم، كان الواحد منهم صابرًا على الشدائد، يحافظ على يومه ولا يشوه صومه ، أمّا ليلُه فكان يقضيه في القيام والوقوف بين يدي مولاه وتلاوة القرآن.

صوم الخواص

وأما صوم خصوص الخصوص: فهو صوم القلب عن الهِمَم الدنيّة والأفكار الدنيوية وكفّه عما سوى الله عزَّ وجلَّ بالكُلِّيِّة.

ويحصل الفطر فى هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله تعالى واليوم الآخر، وبالفكر فى الدنيا، إلا دنيا تُراد للدين، فإن ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا.

رُتبة الأنبياء

حتى قال أرباب القلوب: (من تحرّكت همَّته بالتصرّف فى نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة، فإن ذلك من قِلَّة الوثوق بفضل الله عزَّ وجلَّ وقِلّة اليقين برزقه الموعود، وهذه رُتبة الأنبياء والصديقين والمقرّبين ولا يطول النظر فى تفصيلها قولا ولكن فى تحقيقها عملا، فإنه إقبال بكنه الهِمَّة على الله عزَّ وجلَّ، وانصراف عن غير الله تعالى، وتلبّس بمعنى

قوله عزَّ وجلَّ: (قل الله ثم ذَرْهم فى خوضهم يلعبون) سورة الأنعام، وهذا الكلام البديع جاء فى إحياء علوم الدين للإمام أبى حامد الغزالى رحمه الله تعالى.

يوم الصائم

فإن كان يوم صيامك كيوم فطرك فماذا فعل بك الصيام؟! ينبغي على الصائم أن يتخلّق بجميل الأخلاق، وأن يتحصّن بالصيام من كل شر، فعن أَبي هريرة- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ) (متفقٌ عَلَيْهِ)، فقول الصائم لمن يعتدي عليه (إني صائم) كأن الصيام حصن يحتمي به ويتقوّى على نوازع الشر والجهل والطيش، فعلى كل صائم أن يستمد من صيامه ما يتحصّن به ويتقوى على ترك المُحرَّمات، فكيف بمن تَرْقَى به عزيمته إلى ترك المحرمات كأنواع التدخين، والمُخدَّرات وغير ذلك أن يرتد بعد إفطاره مرتميًا في أحضان تلك المُنكرات ليهدم ما بناه في نهاره من قوة الإرادة.

سعادة الفائزين

فيا سعادة من اغتنم فرصة هذا الشهر الكريم فغيَّر مسار حياته وأقبل على طريق الله عزَّ وجلَّ! ويا شقاوة من ضيّعها وهتك حُرمة هذا الشهر ودنَّسه بالمعاصي!

واجب الصائم

فمما يجب على الصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه عن المخالفات والشتائم وقول الزور مما يذهب بثواب صيامه وأجره، ولا ينال منه إلا الجوع والعطش، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ النبيُّ- صلى الله عليه وسلم-: (رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ) (مسند أحمد).

فعلى المسلم أن يحرص ويحافظ على صومه من كل ما يخلّ بثواب الصيام.

تقبَّل الله منَّا ومنكم الصيام والقيام وسائر الأعمال، وحفظ الله مصرنا الحبيبة من كل سوء ومكروه وجنبنا الله شر الفِتن ما ظهر منها وما بَطَن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات