دعوة ودعاة

فلسفة الجمال في الإسلام

بقلم: د. سالم الهنداوي

إن كثيرًا من الناس في بلاد الشرق أو الغرب يبحثون عن السعادة، ويسعون دائبين في سُبل تحصيلها.

وتتباين رؤيتهم وتختلف عن السعادة؛ إذ يرى أحدهم أن السعادة تعني امتلاك المال والثروة، وآخرون يرون أن السعادة في الوصول إلى المنصب المرموق أو القصر المشيد أو السيارة الفارهة، وآخرون  يرون أن السعادة في الزوجة الحسناء، وآخرون  يرون أن السعادة تعني قضاء أوقاتٍ سعيدة، وآخرون يرون أن السعادة في القُرب من الله تعالى والسير في طريقه تعالى.

ومع اختلاف هذه الرؤى حول السعادة نجد أن الإسلام يبني فلسفة أوسع وأعمق؛ إذ يؤسس للحياة الطيبة بكل ما تحمِلهُ من جمال وكمال، يعم ظاهر الإنسان وباطنه، وحياته العامة والخاصة.

ويؤسس للرؤية الجمالية في حياة الإنسان، مع الموازنة لكل احتياجاته ونزعاته الفطرية والإنسانية.

فربما يكون الإنسان فقيرًا لكنه ممتلئ بالسعادة ومغمورٌ بالفرح، وربما يبتلى وتجد قلبه عامر بالرضا والصبر.

ونجد أن تعاليم الإسلام تحثه على الجمال في كل مناحي الحياة؛ الجمال الذي يرتقي به إلى السعادة التي يبحث عنها.

وتختلف نظرتنا عن السعادة أوالجمال باختلاف إدراكنا لمفاهيم الحياة ومقاصدها، وتختلف أيضًا باختلاف نزعات الإنسان واحتياجاته النفسية والجسدية.

فربما ينظر أحدهم إلى الجمال في الجسد، وآخر ينظر إلى الجمال في الثراء، وآخر ينظر إلى الجمال في الملبس الأنيق أوالسيارة الفارهة أو البيت الحسن، وآخر ينظر إلى الجمال من ناحية الطبقة الاجتماعية، أو الوظيفة المرموقة، أو الجاه أو الشهرة أو نحو ذلك، وكل هذه الرؤى عن السعادة أو الجمال هي رؤى قاصرة.

إن السُّلمَ الذي نرتقي به درجات السعادة التي نبحث عنها أو نفتقدها في حياتنا هو الرؤية الجمالية، تلك الرؤية التي تغرس الجمال بكل صنوفه وطرقه وأشكاله في حياة الإنسان وعلاقاته مع الآخرين، فيتنسم بالجمال سعادة الحياة وبهجتها.

والجمال في الحقيقة موجود في كل جزءٍ من أجزاء حياتنا ويسري فيها كسريان الماء في الورد، وإننا نستطيعُ أن نجعله يزاحم الهواء في أيامنا وليالينا ونومنا ويقظتنا، وأفراحنا وأحزاننا، وعافيتنا وابتلاءنا.

والحياة الجمالية التي يحث عليها الإسلام ويدعوا إليها لا تختص بجانبٍ واحدٍ في حياة الإنسان، بل هي رؤية وفلسفة وسلوك عامٌ، يعم الفكر والاعتقاد والسلوك والقول والعمل واللباس وغير ذلك.

ومن مناحي الجمال في حياتنا: جمالُ العبودية

فالرسالة والتكليف الذي خُلق لأجله الإنسان هو منبع حياته وسعادة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24].

فيتربعُ على قمة الجمال: جمال العبودية لله تعالى، من توحيدٍ وصلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة، وذكرٍ لله تعالى، وعفو وصفح ورضا بالقضاء والقدر، وتوكلٍ وإنابة وتفويض الأمور كلها لله تعالى.

فهذه العبادات الإسلامية كلها تنتج أنواعًا من الجمال لا نهاية لها، فنجد من يطيل قيام الليل للذةٍ وجدها في الصلاة، ونجدُ من يسعى في جوف الليل يحمل الطعام والكساء والدواء للفقراء واليتامى والمحتاجين، ونجد من يكثرُ من الصيام لصفاء نفسه وتهذيبها فيه، ونجد من يتعلق بزيارة بيت الله الحرام كل عام، ونجد من إذا قدر عفا وصفح، ونجد من لا يتعلق بأسباب الدنيا بل يأخذ بالأسباب ويكل أموره كلها إلى الله تعالى راضيًا بقضائه وقدره سبحانه، وذلك عين سعادته.

ومن مناحي الجمال: الكلمة الطيبة، العذبة الرقراقة المثمرة، فقولك لها أو سماعك إليها أو إهدائها لأحد هو نوع من أنواع الجمال الحسن.

ويأتي الإسلام ليغلفها ويكسوها بكساءٍ من القُربة؛ ليُرغب فيها فتزاد الحياة بها جمالاً، قال صلى الله عليه وسلم: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ».

ومن مناحي الجمال في حياتنا: الثياب الحسن، فيأمر الإسلام المسلم أن يهتم بظاهره كما يهتم بباطنه، فيأمره أن يتزين في أجمل لباسه عند ذهابه إلى المسجد، ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]؛ ليعتاد هذا الأمر فيصير بعد ذلك عادة وسجيةً له.

ومن مناحي الجمال في حياتنا: الطهارة والنظافة، حيث يعتاد المسلم الطهارة لكل صلاة والاغتسال يوم الجمعة والقيام بسنن الفطرة، والتطيب، وفي ذلك يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ».

ومن مناحي الجمال في حياتنا: الزوجة الصالحة، وهي عطاءٌ ورزق من الله تعالى، فمن الجمال في الحياة  أن تجد روحًا طيبة تشاركك الفرح والحزن، والأمل، والأحلام، والمستقبل، فتشاركك الصبر والألم والضيق وتقلبات الحياة.

هكذا كانت أُمنا خديجة رضي الله عنها مع الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ يقول لها: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فتقول رضي الله عنها: «كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ».

ومن مناحي الجمال في حياتنا: الأمل، الذي تتجدد به الحياة، ويزول به اليأس والقنوط، وتشرق معه أنوار السعادة والتفاؤل والنجاح، يقول تعالى: ﴿لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].

ومن مناحي الجمال في حياتنا: العمل والإنتاج، الذي به قوام الحياة، وبه يتحقق التقدم والرخاء، فحياة بلا عمل أي قيمةٍ لها، فيقول تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].

ومن مناحي الجمال في حياتنا: هذا الكون الفسيح، الذي أوجده الله تعالى في إتقانٍ بديع، أرضٌ وبحارٌ وأنهارٌ وجبالٌ وزروعٌ وثمارٌ وطيور، حتى لا تقع عين الإنسان على خير جمال، فتتذوق العين هذا الجمال، فتترجمه في سلوك الإنسان وأقواله وأعماله.

إن مناحي الجمال وطرقه كثيرة جدًا في حياة المسلم، فكلُ تكليف رباني في باطنه جمالٌ، لكن الكثير منا ربما لا يلتفت إلى ذلك.

والجماليات في الإسلام تتفق مع الشريعة ومع احتياجات الإنسان، ولكن علينا أن نبحث بداخلنا عن مكنونات هذا الجماليات وننميها ونتعايش بها في حياتنا؛ فتزداد حياتنا بها بهجة وسعادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات