دعوة ودعاة

التدرج في الخطاب الدعوي وضوابط تجديده (1)

بقلم: الدكتورة أماني محمود.. مدرس بالأزهر الشريف

التدرج لغة : مصدر تدرَّجَ، ويدل على المشي والحركة الهينة،والصعود في المراتب، قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 163].

واستخدم في الاصطلاح بنفس معناه في اللغة، فهو في الاصطلاح: ” التقدم بالمدعو شيئًا فشيئًا للبلوغ به إلى غاية ما طلبت منه وَفْقَ طرق مشروعة مخصوصة “، بمعنى: ترفق الداعية في خطابه للناس والانتقال بهم في سلم الدعوة خطوة خطوة، ودرجة درجة وعدم الإكثار عليهم وإعطائهم فوق طاقتهم وأكثر من وسعهم.

والتدرج سنةٌ ربَّانية إلهية في جميع الرسالات منذ نوح عليه السلام إلى خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [النحل: 36].

والإنسان يصعب عليه الإقلاع عن ضلاله أو معصيته دفعة واحدة، أو بين عشية وضحاها، فمبدأ التدرج في الخطاب الدعوي ضروري حتى يتمكن الداعية من الوصول إلى هدفه؛ لأن الإجبار والتشدد في الدعوة ربما يدفع المدعو إلى الدفاع عنه والاستماتة دونه، وفي هذا فتنة في الدماء فضلا عن فتنة في الدين.

وقد جاءت نصوص الشريعة، وأقوال السلف الصالح مراعية ذلك المبدأ، ومن ذلك ما يلي:

أولا:من أدلة مبدأ التدرج من القرآن

-قال تعالى:﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾[الإسراء:106]، و “فرقناه” بالتشديد، أي أنزلناه شيئا بعد شي لا جملة واحدة.

-وقال تعالى:﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾[الفرقان:32]، يقول الفخر الرازي: ” لو أنزل الكتاب جملة واحدة لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك، أما لو نزل مفرقًا منجمًا، لا جرم نزلت التكاليف قليلًا قليلًا فكان تحملها أسهل.

ويظهر التدرُّج التشريعي بأجلى صورة وحكمةٍ في تحريم الخمر؛ فلقد كان المجتمع الجاهلي مريضًا بشُرب الخمر، والإقبال عليها، وإدمانها، وكان ذلك من أبرزِ أمراضه الاجتماعية، وقد مرَّت مسيرة تحريم الخمر بمراحلَ زمنية، تمثِّلها هذه الآياتُ بترتيب نزولها:﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [النحل: 67]، و﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ [البقرة: 219]، و﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ [النساء: 43]، و﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90، 91].

وهذه الآيات الأربع تمثِّلُ موقفَ الإسلام من الخمر، إلى أن وصَل إلى القرار الحاسم بتحريمها تحريمًا قاطعًا؛ أي إنها تمثل أربعَ مراحل تصاعدية في طريق التحريم، هي: التوطئة بالتلميح البعيد، والتوطئة بالتصريح المباشر، والتحريم الموقوت، والتحريم النهائي الحاسم.

ومن أول من أشار إلى الحكمة من التدرج في التشريع أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – حيث تقول:«…إِنَّمَا أَوِلُ مَانَزَلَ مِنْهُ ـ أَىُّ الْقُرْأَن ـ سُوُرٌ مِنْ الْمُفَصَل ذُكِرَ فِيهَا الْجَنَّة وَالنَّار، حَتَّى ثَابَ النَّاس ُإِلَى الإِسْلاَم نَزَلَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْئٍ لَا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا لَا نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا لَقَالُوا لَا نَدَعُ الزِّنَا أبَدًا”. . . »[صحيح البخاري].

وقدأشارت بذلك إلى الحكمة الإلهية في ترتيب النزول، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد، والتبشير للمؤمن. والمطيع بالجنة، وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام.

ثانيا: من أدلة مبدأ التدرج من السنة

نجد هذا المعنى في السنة النبوية واضحًا جليًا، ومن أوضح الأدلة على ذلك ما أوصى به النبي ﷺ مبعوثه إلى اليمن معاذ بن جبل رضي الله عنه في قوله: إنَّك سَتَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ , وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ . فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ , فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ , فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ . وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ .

والمتأمل في فقه هذه الوصية النبوية، وما اشتملت عليه من الفوائد يدرك أهمية التدرج في الدعوة، ومراعاة أحوال الناس، وما تنطوي عليه أنفسهم وعقولهم من أشياء تقتضي الترفق والتدرج بهم في الدعوة والتعليم.

وتترتب على إهمالها أيضا مفسدة كبيرة بالدين، من حيث رده ومخالفته، وهذا يعني الانحراف الفكري والسلوكي وهو ما يعني ضياع الدين، فهذا الحديث يدل على أهمية التدرج في الدعوة ومراعاة أحوال الناس، وما تنطوي عليه أنفسهم وعقولهم من أشياء تقتضي الترفق والتدرج بهم في الدعوة.

ومن الأدلة أيضا تدرج النبي في تعليم حديث العهد بالدين، حتى ولو أسلم وشرط شرطًا فاسدًا غير صحيح، على ألا يمس أصول الدين وعقائده، فلو رُفض إسلام غير المسلم لأنه شرط شرطًا فاسدًا فإنه يعني حرمانه من هداية السماء، وهذا شر كبير، وهو أخطر وأكبر من إسلامهم مع اشتراطهم شروطًا فاسدة.

فلأن يعصي الله وهو مسلم أهون عند الله من أن يكون كافرًا ولا يتناول هذه المحرمات، فليس بعد الكفر ذنب، والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فهذه المسألة يجب أن تخضع للموازنة بين المفاسد والمصالح.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات