sliderالتحقيقاترمضان

استطلاع هلال رمضان.. جدل كل عام

المغرب والسعودية تتبعان الرؤية الشرعية.. ومصر الأكثر دقة

تقرير: سمر عادل

مع حلول شهر رمضان من كل عام يتجدّد الخلاف حول رؤية هلال الشهر الفضيل بين أولئك الذين يصرّون على ضرورة رؤيته بالعين المجردة، وآخرين يرون أنه من الضروري استعمال المناظير من أجل رصد الهلال، وتختلف عملية رصد الأهِلَّة من دولة إلى أخرى، وذلك بحسب التقنية المستعمَلة وعلى هذا الأساس هناك من الدول من تعلن بداية الشهر الفضيل على أساس الحسابات الفلكية، وأخرى تعلن بدايته في اليوم التالي بناء على رؤية الهلال، فما سبب هذا الاختلاف؟ وما حقيقته؟

في البداية، اتفق الفقهاء على أن رؤية هلال شهر رمضان تعتمد على شرطين أساسيين أولهما: أن يصل الهلال لعملية الاقتران (وهي وقوع الشمس والقمر على خط طول سماوي واحد) وثانيهما: أن تغرب الشمس قبل غروب الهلال وإلا استحالت رؤية الهلال، إذ يطغى ضوء الشمس على الهلال، فتنعدم الرؤية.

ويعود اعتماد بداية الشهر العربي على رؤية الهلال إلى أمر استقر عليه العرب قبل الإسلام، حيث اهتمَّت القبائل العربية بالرؤية من أجل تحديد الأشهر الحرم في أوقات الخصومات والحروب المستعِرة بينها، ومن أجل مواسم الحج.

وميلاد الهلال عند الفلكيين يختلف عن ميلاده عند الشرعيين، وهذا يُحدث فجوة بين المفهومَين، فهناك ما يسمّى بنقطة الالتقاء أو اجتماع الشمس والقمر في نقطة ما في السماء، فإذا تفرّقا من هذه النقطة وُلد الهلال فلكياً، وفي حال انفصال الشمس عن القمر وبقي القمر في السماء لمدة 10 دقائق أو 8 دقائق أو أقل، فهذا يكفي لثبوت الشهر الهجري عند الشرعيين.

طُرق الرؤية

في العصر الحديث تعتمد الدول العربية والإسلامية في تحديد بدايات الأشهر الهجرية على طرق متعددة منها: الرؤية الشرعية، وتعتمد عليها عدد من الدول مثل المملكة العربية السعودية وغيرها، ويكون ذلك بدعوة المواطنين لتحرّي الهلال فإذا جاء من يشهد في المحكمة الشرعية برؤية الهلال قُبلت شهادته حتى لو دلَّت الحسابات الفلكية على أن رؤية الهلال مستحيلة أو غير ممكنة؛ وهو ما يحصل حاليًّا في العديد من الدول الإسلامية، وهذه الطريقة أصبحت غير دقيقة نظرًا للتغيّرات المناخية التي تؤثر على الرؤية البصرية، فعلى سبيل المثال صام ملايين المسلمين في السعودية عام 1984م في رمضان 28 يوما فقط؛ لأن أحد الشهود رأى كوكبي عطارد والزهرة فاعتقدهما الهلال.

الرؤية المجردة

وتعد المغرب كذلك من الدول التي تعتمد الرؤية المجردة وهو الأمر الذي ينطبق أيضا على سلطنة عمان التي يحتسب فلكيوها أن تكون عملية الاقتران قد حصلت قبل غروب الشمس في آخر ليلة من الشهر الهجري وأن يغرب الهلال بعد غروب الشمس في مساء ذلك اليوم في دولهم وأن يكون بالإمكان رؤية الهلال حسب الشروط العلمية الفلكية لمبدأ إمكانية الرؤية.

والمغرب يتحرّى رؤية هلال شهر رمضان دائما في اليوم التاسع والعشرين لشهر شعبان وفي حالة عدم ثبوت رؤيته من طرف مختلف الجهات المسئولة والوحدات المكلَّفة برصد وتتبّع هلال هذا الشهر الفضيل فإن المملكة تعلن أول أيام شهر رمضان في اليوم الموالي أي بعد إتمام شهر شعبان لثلاثين يوماً، وتعد المغرب من الدول القليلة في العالم الإسلامي التي تتحرّى الهلال في كل شهر وليس في شهر رمضان فقط وذلك بشكل رسمي، وتعلن المملكة نتائج التحرّي رسميا وبشكل فوري عبر وسائل الإعلام العمومية، فهي تتحرّى من خلال 270 موقعا موزّعا على مختلف أنحاء المملكة المغربية، وتشارك القوات المسلحة الملكية في عملية التحري، وبذلك يعد المغرب- حسب المهتمين- أفضل دولة إسلامية عربية في تحديد بدايات الأشهر الهجرية، كما تدعو المملكة المواطنين إلى المشاركة في رصد الهلال وتخصص لذلك أرقاما هاتفية يتصل بها المواطن في حالة ثبوت رؤية هلال شهر رمضان.

اتحاد المطالع

وهناك دول لا تعتمد على رؤية الهلال، ولكنها تتبع الحساب الفلكي فقط مثل ليبيا وذلك إذا حدث اقتران الهلال قبل الفجر، بينما تعتمد بعض الدول ومنها الأردن على مبدأ اتحاد المطالع، فإذا ثبتت رؤية هلال رمضان في دولة تشترك معها في جزء كبير من الليل فإنها تتبعها عملًا باتحاد المطالع، وهناك طريقة في استطلاع الهلال تجمع بين الرؤية الشرعية والحساب الفلكي، وهي الطريقة الأكثر دقة، وتعمل بها دول مثل مصر، حيث تعتمد دار الإفتاء المصرية في استطلاع هلال رمضان وغيره من الشهور العربية على الرؤية الشرعية البصرية بالعين المجردة وكذلك باستخدام المراصد والآلات الحديثة، وتجمع بينه وبين الحساب الفلكي، فعندما يتقرّر وفقًا للحساب أن الهلال قد نزل قبل الشمس بدقيقة أو دقيقتين فهذا أمر متفق عليه بين كل الحاسبين في هذا المجال.

ولم يحدث عبر ما يزيد عن أربعين عامًا تبعت دار الإفتاء المصرية خلالها هذه الطريقة أن وقع اختلاف، فلم يقل أحد أن الهلال موجود في حين أن الحساب ينفي وجود الهلال ولم يكذب أحد رؤية الهلال في الوقت الذي أكد الحساب فيه رؤيته.

توحيد الرؤية

مع تزايد الخلاف بين الدول الإسلامية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفارق زمني يصل إلى ثلاثة أيام أحيانا، طالب مجموعة من العلماء باعتماد قرار سياسي يوحِّد جميع الدول الإسلامية فيما يتعلق بصيام شهر رمضان وضرورة اعتماد المناظر التي أصبحت تسهل عملية رصد هلال هذا الشهر المبارك إذ يرى هؤلاء أنه ليس من المعقول أن يكون هناك اختلاف بين الفلكيين والشرعيين في البلد الواحد، وأنه لابد لصنَّاع القرار في الدول الإسلامية من توحيد كلمتهم.

وفي نفس الوقت دعا مجموعة من العلماء إلى التزام كل مواطن بموعد الصيام في بلاده وألا يصوم بالاعتماد على رؤيته في بلاد أخرى مادامت الدول الإسلامية لا تعتمد في صومها على رؤيته في بلد آخر.

لا تعارض

د شوقى علام
د شوقى علام

مؤخرا حسم د. شوقي علام- مفتي الجمهورية- الخلاف بين الرؤية الشرعية والحساب الفلكي قائلا: إن المتتبع لتاريخ المسلمين يجد أنهم قد برعوا في علم الفلك، ومع ذلك لم يستغنوا عن الرؤية الشرعية للأهِلَّة على مدار العصور ليقينهم بالأهمية الشرعية للأهلة، لأن الأهلة الشرعية يترتب عليها أحكام الحج والعمرة وعِدَد النساء وغيرها من الأحكام.

وعن دعاوى البعض بوجود تعارض بين الشرع وعلم الفلك قال: لا تعارض مطلقًا بين علم الفلك وبين الشرع المتمثِّل في الرؤية الشرعية، فالعلمان متكاملان وليسا متعارضين، ولا عجب في ذلك فنحن أمة اقرأ المأمورة بالأخذ بأسباب العلم المادي الدنيوي المفيد للبشرية بمختلف تخصصاته، والمأمورة بالصيام والفطر لرؤيته.

أضاف د. علام: إن الحساب الفلكي القطعي لا يمكن أن يعارض الرؤية الصحيحة، فلكل منهما مجاله حيث يهتم الحساب الفلكي بولادة الهلال ومكثه في الأفق بعد غروب الشمس، وكذلك الرؤية  تستأنس بالحساب الفلكي في الرد على الشاهد الذي يزعم رؤيته وهو لم يولد أصلًا بمعنى أن الحساب ينفي ولا يثبت، والرؤية تكون عن طريق اللجان الشرعية العلمية التي تضم شرعيين ومختصين بالفلك والمساحة، وعددها ست لجان منتشرة في أنحاء الجمهورية في طولها وعرضها، في أماكن مختارة من هيئة المساحة المصريَّة ومن معهد الأرصاد بخبرائه وعلمائه وبتعاون كامل من المحافظين لهذه الأماكن التي تتوافر فيها شروط تيسر رصد الهلال.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات