sliderالتحقيقاترمضان

قصة التراويح.. بدأها الصحابة خلف الرسول ونظمها عمر

بعد قرار الحكومة الأردنية بتوحيد عدد ركعات التراويح

موسي حال

أثار قرار الحكومة الأردنية بتوحيد عدد ركعات صلاة التراويح في جميع مساجد المملكة إلي عشرين ركعة.. حفيظة العديد من وسائل الإعلام العربية، الكثير منها ينكر ذلك جهلاً، والآخر أدرك ما وراء القرار.. فاطمأن قلبه وألجم لسانه.

ومع هبوب نسمات رمضان التي تستقبلها نفوسنا وقلوبنا بعد سويعات.. نشير إلي أن صلاة التراويح التي يختص بها الشهر الكريم لها قصة كبيرة، تبهج كل مسلم، كل عابد فهي صلاة التراويح، التي تريح النفس، وتبهج القلب وتنعش العقل، وسيرتها علي مدار التاريخ الإسلامي مبهجة.

وقبل أن ندخل في قصة صلاة التراويح يتطلب المقام أولاً أن نتعرف علي الموقف الفقهي لصلاة التراويح.

صلاة التراويح: سنة مؤكدة للرجال والنساء وتؤدي في كل ليلة من ليالي شهر رمضان بعد صلاة العشاء وتمتد حتي أذان الفجر، وحث الرسول “صلي الله عليه وسلم” عليها من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه..  وصلاها الرسول في جماعة، ثم ترك الإجماع عليها مخافة أن تفرض علي أمته.

لماذا التراويح ؟!

وأطلق عليها “صلاة التراويح”  لأن المسلمين أول ما اجتمعوا عليها يستريحون بين كل تسليمتين، كما قال الحافظ ابن حجر. وتعرف أيضاً بصلاة القيام. وتطورت الاستراحة في العديد من مساجد مصر والبلاد الإسلامية إلي إلقاء أحد الدعاة موعظة قصيرة بين التسليمتين من باب التذكرة والموعظة.

ولم يثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم عدد ركعات لصلاة التراويح، إلا أنه ثبت عن فعله عليه الصلاة والسلام أنه صلاها إحدي عشرة ركعة كما أوضحت ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن كيفية صلاة الرسول في رمضان.

فقالت: ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا غيره علي احدي عشرة ركعة، يصلي أربعا.. فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً .

وهذا الفعل منه صلي الله عليه وسلم لا يدل علي وجوب هذا العدد، فتجوز الزيارة.. فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية له أن يصلي عشرين ركعة، كما هو مشهور في مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصلي احدي عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة.

الخلفاء والتابعون

واستمر المسلمون بعد ذلك يصلون التراويح كما صلاها الرسول، وكانوا يصلونها كيفما اتفق لهم، فهذا يصلي بجمع، وذاك يصلي بمفرده، حتي جمعهم سيدنا عمر بن الخطاب علي إمام واحد يصلي بهم التراويح. وكان هذا أول اجتماع الناس علي قارئ واحد في رمضان.

احصاء ابن حجر

وأحصي الحافظ ابن حجر الأقوال في ذلك كالآتي:

احدي عشرة ركعة مع الوتر بثلاث ركعات.

ثلاث عشرة ركعة مع الوتر بثلاث ركعات.

احدي وعشرون ركعة مع الوتر بثلاث ركعات.

ثلاث وعشرون ركعة مع الوتر بثلاث ركعات.

وأظن أن هذا المعمول به في الحرمين.

تسع وثلاثون ركعة مع الوتر بثلاث ركعات.

احدي وأربعون ركعة مع الوتر بثلاث ركعات.

تسع وأربعون مع الوتر بثلاث ركعات.

قيم رمضان

وقيام رمضان “التراويح” مشروع عن رسول الله، ولم يداوم عليه خشية أن تفرض، فعن عائشة: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم خرج ليلة في جوف الليل فصلي في المسجد، وصلي رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلي.

فصلوا معه فأصبح الناس، فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج الرسول صلي الله عليه وسلم فصلي بصلاته،

فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتي خرج لصلاة الصبح، فلما قضي الفجر أقبل الناس فتشهد ثم قال: أما بعد فإنه لم يخف عليَّ مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها، فانتقل صلي الله عليه وسلم علي ذلك.

عهد الفاروق

ولما انتقل الرسول أحيا هذه السنة سيدنا عمر بن الخطاب فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبدالرحمن بن عبدالقاري

أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة من رمضان إلي المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي الرهط بصلاته، فقال عمر: إني أري لو جمعت هؤلاء علي قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم علي أبي بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أخري والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عليها أفضل من التي يقومون  يريد آخر الليل  وكان الناس يقومون أوله.

ومراد سيدنا عمر بالبدعة هنا: البدعة اللغوية وإلا فهي سنة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وأحياها عمر الذي أمرنا بالتمسك بسنته »عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضواً عليها بالنواجذ .

وروي أيضاً في قصة صلاة التراويح أن سيدنا عمر جمع الناس علي قيام شهر رمضان، الرجال علي أبي بن كعب، والنساء علي سليمان بن أبي حتمة وروي أن الذي كان يصلي بالنساء تميم الداري.

وفي عهد سيدنا علي كرم الله وجهه كما ورد عن عرفجة الثقفي قال: كان علي بن أبي طالب يأمر الناس بقيام رمضان، ويجعل للرجال إماماً، وللنساء إماما فكنت أنا إمام النساء.

صلاة مسلوقة !

أما القراءة في صلاة التراويح فليس لها حد معين وكان السلف الصالح يطيلون فيها، واستحب أهل العلم أن يختم القرآن في قيام رمضان علي مدار الشهر، فقد روي مالك في الموطأ في عبدالرحمن الأعرج سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان من القيام فنستعجل الخدم بالسحور مخافة الفجر « وروي مالك أيضاً عن السائب بن يزيد: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري.  أن يقيما بالناس، وكان القارئ يقرأ بالمائتين حتي كنا نعتمد علي العصا من طول القيام وما كنا ننصرف إلا مع فروع الفجر، ومع ذلك الآن صلاة التراويح تتنوع من الطول والقصر بحسب الإمام  خاصة في العصر المملوكي  فكان بعض الناس يرغب في التخفيف فيذهب إلي من يخفف، ومن هؤلاء بن عبدالله الدوري المكي احدي فراش الحرم المكي في العصر المملوكي حيث قال عنه السخاوي: كان يصلي بالناس التراويح، فيصلي معه الكم الغفير لمزيد من التخفيف وكانوا يلقبون صلاته »بالمسلوقة !«

وممن كان يرغب في التطويل حتي طلوع الفجر الشيخ ابن الواسطي، حيث كان يصلي التراويح بالناس حتي اشراف أذان الفجر في الجامع الأزهر.

آية واحدة

كما تنوعت صلاة التراويح بالنسبة للطول أو القصر في العديد من الريف المصري خلال الحقب السابقة حيث كانت بعض المساجد يصلي فيها الإمام باحدي وعشرين ركعة، إلا أنه يقرأ في كل ركعة آية واحدة فمثلاً يقرأ سورة الإخلاص في أربع ركعات.. مثلاً الأولي قل هو الله أحد  والثانية الله الصمد.. وهكذا.

ومثلاً آخر في بعض المساجد يتعمد الإمام قراءة سورة الرحمن التي تحمل آيات قصيرة فمثلاً يقرأ الإمام في ركعة الآية مدهامتان  والركعة التالية فبأي آلاء ربكما تكذبان « وهكذا.

وتتميز هذه المساجد برواد من كبار السن، وغالباً يندر تواجد الشباب في مثل هذه المساجد وكان يطلق علي هذا الإمام ب السريع .

جزء يومياً

ومع تطور الزمن واتساع نطاق الصحوة الإسلامية في ربوع العالم العربي والإسلامي خلال حقبة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي والسنوات الأولي من هذا القرن انتشرت في بعض المساجد فكرة التطويل حيث يتم جلب إمام صاحب حنجرة قوية وصوت رخيم ليصلي بجزء في اليوم، حتي يتم القرآن الكريم كله مع آخر يوم في رمضان، وانتشرت فكرة الدعاء في التراويح ومع اعجاب الإمام بصوته، أصبح الدعاء المطول سمة من سمات صلاة التراويح وقد نقلت هذه السمة عن أئمة الحرمين.

ومع ذلك الاتساع إلا أن مساجد الأوقاف التي تتبع منهجاً وسطياً موحداً فمازالت تلتزم بنوع والتقصير غير المخل فصلاة تلك المساجد لا هي المسلوقة ولا الإمام السريع..!!

الإمام .. طفل

وصلاة التراويح منذ عهد سيدنا عمر أصبحت من الظواهر الجميلة لشهر رمضان، وتطورت مظاهر جمالها عبر  العصور.. ففي العصر المملوكي  مثلاً  اهتم المماليك بإمامة الفتيان الصغار من حفظة القرآن الكريم حيث كان يؤم الناس في بعض مساجد القاهرة فتيان صغار لا تتجاوز أعمارهم خمس عشرة سنة فجلال الدين البلقيني من أعلم علماء زمانهم وكان قاضي قضاة كان يصلي بالناس في التراويح وعمره عشر سنوات بعد أن أتم حفظ القرآن وكان يصلي خلفه كم غفير من الناس.

وابن حجر العسقلاني كان يصلي التراويح بالناس وعمره 12 سنة.. وهو من أعلم علماء الإسلام.. وقاضي القضاة.

وانتشرت هذه الظاهرة في البلاد الإسلامية حيث انتشرت إمامة الفتيان في الحرم المكي دون مؤاخذة أو منع من أي إنسان.. فمحمد الكيلاني كان يصلي التراويح في الحرم المكي وعمره ثلاث عشر سنة. وكان حافظاً لكتاب الله مجوداً له، ملماً بأحكامه.

ويعد هذا الأسلوب نوعاً راقياً في تربية النشء ولذلك كان من هؤلاء الفتيان من هو أعلم أهل عصرهم في علوم الشريعة.

شربات التراويح

وقد اهتم العثمانيون بصلاة التراويح وأولوها ولاية خاصة، حيث صنعوا شراباً خاصة أطلق عليه »شربات التراويح « وهو شراب العسل ذو المذاق المميز وهو من خلاصة العسل مضاف إليه الزنجبيل ويبرد ويوزع علي المصلين وغيرهم طوال شهر رمضان، وكان هذا الشراب منعشاً يعطي شعوراً بالنشاط والانتعاش والحيوية. ومن شدة اهتمام العثمانيين بهذا الشراب فقد أنشاوا له وقفاً خاصاً بإسمه.

وعودة لما بدأنا هذا التقرير من إصدار حكومة المملكة الأردنية قراراً بتوحيد صلاة التراويح في جميع مساجدها ب 21 ركعة، فهذا القرار لا يعد مخالفة لما عرفه المسلمون وعملوا به في السابق.. فقد نظم سيدنا عمر بن الخطاب هذه الصلاة وجعلها في جماعة بالمسجد واتبعه جميع المسلمين وكذلك سيدنا علي رضي الله عنه الذي خصص إماماً للرجال وإماماً للنساء مع تحديد عدد معين من الركعات.

أم محمود

كما أن توحيد المسلمين في الوقت الراهن علي عبادة وعلي هيئة واحدة عليها أمر محمود في وقت تشرذمت فيه الأمة، وكثر فيه إعجاب كل ذي رأي برأيه، وتفشت الفتن في العبادات والشريعة والعقيدة، وقد تكون هذه المحمدة سنة لتوحيد المسلمين علي أمر واحد في العبادة والشريعة. ويتعود الكل علي أن يسير دائماً في جماعة وخلف الحاكم بما لا يخالف منهج الله سبحانه وتعالي.

كما أن هذا يعد احدي فضائل التربية النبوية حيث أوصي الرسول صلي الله عليه وسلم المسلمين أن يسيروا موحدين وتحت أمير لهم حتي في السير العادي إن كانوا جماعة فوق ثلاثة أفراد أن يؤمروا واحداً منهم في مشيتهم.. حتي يتعود المسلمون علي المنظومة الواحدة ونزع الشقاق والتفسخ في المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات