sliderالتحقيقاترمضان

خدعوك فقالوا: الصيام والعصبية وجهان لعملة واحدة!

د. فتحى موسى: تقويم وضبط النفس بالقرآن والذكر

د. أحمد عشماوى: الصوم عبادة ترتقى بالروح وسمو الأخلاق

تحقيق: هالة السيد موسى

رمضان هو شهر الروحانيات وتهدئة النفوس وفرصة للابتعاد عن العصبية والتوتر، لكن ما يحدث عكس ذلك عند بعض البشر! حيث تزداد حدة الانفعال والسبّ لأتفه الأسباب! لدرجة قد تصل الي خراب البيوت!

وهو ما يدفعنا إلي التساؤل عن أسباب العصبية الزائدة وقت الصيام؟ وكيف يمكن أن نحد منها؟

يقول د. محمد فتحي موسي- أستاذ اصول التربية جامعة الأزهر-: من المفترض أن يكون رمضان شهرا لتهدئة النفوس والتغلّب على التوتر والعصبية، إلا أن الواقع غير ذلك، حيث تزيد معدلات العصبية والتوتر والانفعال، وهو ما ينجم عنه في بعض الأحيان مشاحنات ومشاجرات خاصةً بين الزوجين حيث تزداد متطلبات الأسرة في رمضان مع زيادة معدلات الفقر مما يتسبب في خلافات ومشاحنات قد تصل إلى حد الطلاق.

أسباب العصبية

وقد يرجع ذلك إلى أساس فسيولوجي، حيث أجريت بعض الدراسات لمعرفة أسباب العصبية والانفعال، خلال هذا الشهر بالذات، فاكتشفت أن نقص الماء خلال الصيام يؤدي إلى اضطراب وظائف الخلايا الدماغية، على اعتبار أن دور الماء في عمل الدماغ دور مهم وأساسي.

كما أن نقص الجلوكوز في الدم خلال فترة الصيام ينعكس على الدماغ مما يؤدي إلى تزايد حالات التوتر والعصبية لأن الدماغ يعتمد بشكل أساسي على الجلوكوز للحصول على الطاقة.

بالإضافة إلى اضطراب عادات النوم حيث اعتاد الكثيرون السهر إلى ما بعد السحور وصلاة الفجر، فالنوم الكافي له دور مهم في تعزيز عمل الدماغ والتخفيف من التوتر والعصبية وينصح بضرورة أخذ قسط كافٍ من النوم حيث يفضّل النوم بعد صلاة التراويح ثم الاستيقاظ قبل الفجر بساعة لتناول السحور وصلاة الفجر،.

النظام الغذائي

كما أن اختلال النظام الغذائي وعدم الالتزام بالأوقات المعتادة للوجبات يزيد من حالة التوتر والعصبية، ناهيك عن ترك البعض لوجبة السحور مما يؤدي إلى انخفاض معدل السكر في الدم والشعور بالإرهاق.

وقد تزداد المشكلة لدى المدخّنين لأن الانقطاع المفاجئ عن التدخين يؤدي إلى أعراض تسمّى أعراض الانسحاب، والتي تزيد من التوتر والانفعال.

القرآن والذكر

وعن وسائل الحد من التوتر والعصبية خلال الصيام، ينصح د. فتحي موسي، بالمداومة على قراءة القرآن الكريم وسيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام وآل بيت النبوة الأطهار، وينصح بالتنفس بعمق كلما شعرت بالتوتر، وتناول مقدار كافي من الماء خلال فترة الفطور والسحور.

بالإضافة إلى ممارسة تمارين رياضية والحصول على قسط كاف من النوم، أما بالنسبة للمدخنين، فينصح بالتخفيف التدريجي من المنبّهات قبل رمضان، وعدم تناولها خصوصا قبل النوم، ومحاولة استبدال المنبهات بمشروبات أخرى كشاي الأعشاب والشاي الأخضر المفيد للصحة.

العصبية بالوراثة!

أما إمكانية اكتساب الطفل للعصبية من الأب والأم، فيقول د. فتحي موسي: نعم، لأن الطفل في هذه السن الصغيرة يتعلَّم من خلال التقليد والمحاكاة، فالأب والأم هما المثال والقدوة لدى الطفل، فيحرص الصغار دائماً على تقليد تصرفات الكبار- صحيحة كانت أو خاطئة-

فالخمس سنوات الأولى من عمر الطفل والتي يقضيها في البيت تعد أخطر فترة في حياته حيث تتشكّل شخصية الطفل في هذه السن الصغيرة، فاحذروا من تصرفاتكم أمام أطفالكم ولا تغيّروا فطرة الله التي فطر الناس عليها.

حاجات الطفل

يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: “ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسَانه ….”. والفطرة هي الخِلقة السوية السليمة النقية الخالية من أي شائبة، والفطرة هي الإسلام، والحديث يدل على أن الأب والأم والبيئة الاجتماعية عموماً هم الذين يغيّرون فطرة الطفل السليمة،

كما أن الأسرة يجب أن تُشبع حاجات الطفل وإشعاره بأنه محبوب ومرغوب فيه دون إفراط أو تفريط، أي دون قسوة أو تدليل، ويجب على الأب والأم ألا يقارنا طفلهما بغيره من الأبناء ولا حتى بإخوته، فكلٌ مُيَسّر لما خُلق له،

والبُعد عن أساليب العقاب البدني والتقليل أو التحقير من الطفل أو إشعاره بأنه غير مرغوب فيه، كما أن معاملة الوالدين مع بعضهما تنعكس على شخصية الطفل سلباً وإيجاباً،

ولذا يجب أن يتحرّى الوالدان المعاملة الحسنة والألفاظ اللائقة المهذّبة الدافئة في كل الأوقات وخاصةً أمام الأبناء.

ضوابط شرعية

ويؤكد د. أحمد عشماوي- الأستاذ بجامعة الأزهر- أن الصيام عبادة بدنية تصب في الارتقاء بالروح لتحصل المعية التامة الكاملة بالله سبحانه وتعالى،

ومحال أن يفرض الله أمرا على عباده عبثا، ومحال أن يكلّف الله عباده ما لا يطيقون، وفي القرآن الكريم (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما)

ومن فهم هذا فهم أن الصائم الحق هو الذي يستقبل أمر ربه بفرح واستبشار، ومن كان كذلك لن يحس بما يحسه عوام الناس من الضغط العصبي وألم الجوع والعطش،

لأن الفرح بالعبادة يقضي على كل تلك الأعراض، بخلاف من أخذ الأمر الإلهي بعين المجبر والمكره فإن ساعات الصيام تمر عليه وكأنها عام،

ومن هنا يأتي ضيق الصدر وعدم انشراح القلب، وفي القرآن الكريم (فمن يُرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يُرد أن يُضلَّه يجعل صدره ضيّقا حَرَجًا كأنما يصَّعد في السماء)، وسُئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الشرح للصدر، فقال: (هو نور ينفسح في قلب المؤمن)

ضعف الإيمان

د أحمد عشماوى
د أحمد عشماوى

وفي واقع ضعف الإيمان في نفوس الناس نجد بعض الصائمين مُكْفَهِّرى الوجوه مُشمئِزى الملامح، وجوههم في عَبَسٍ دائم لما أحست نفوسهم أن الصيام مَغْرَم أو عقوبة! ومن ثَمَّ وجدنا من هؤلاء العصبية والاستنفار سواء في وظائفهم وأعمالهم أو حتى داخل بيوتهم مع زوجاتهم وأُسرهم وقد يصل بهم الحال إلى الحلف بالطلاق أو إيقاع لفظ الطلاق فعلا! ولا شك أن هذا الصنف من الناس استسلموا إلى أمر الصيام بقالبهم مُكرهين ولم يُقبلوا على الصيام بقلوبهم لله طائعين! ونسوا أن كل العبادات يتحصّل الإنسان على آثارها ناجزة وتكتب الملائكة أجورها إلا الصوم فتقديره وثوابه بيد الله وحده بحسب ما يعلمه الله من قلب كل إنسان، ولذلك قال نبي الرحمة (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).

مدرسة أخلاقية

يوضّح د. عشماوى، أنه لما كان الصيام هو أعظم مدرسة أخلاقية فاحرى بنا أن نعرف أن الصيام على غير ما عليه حال معظم الناس في انه أدعى إلى ضبط النفس وعدم انفعالها وعدم جريانها خلف كل ناعق، ذلك أن الصائم إذا علم انه من أول لحظة في صيامه دخل في المعية الإلهية

ومن علم ذلك عمل بما يليق بهذه المعية في أنه لا يركن إلى أهل الدنيا ولا يتجاذب معهم، ذلك أن من خصوصيات الصيام أنه يأخذ بيد الإنسان إلى أقصى درجات الصبر والتحمّل.

فمن صبر على عضَّة الجوع قادر على أن يصبر على استفزاز الناس، لذلك قال نبي الرحمة (الصيام جُنَّة- أي وقاية- فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب وإن امرؤ سابَّه أو شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم).

وكان فيما مضى من الأمم السابقة عبادة الصوم عن كلام الناس الذي يجلب اللغو فيما لا يرضي الله، على قول السيدة مريم عليها السلام، كما سجَّل القرآن الكريم كلامها (قالت إني نذرت للرحمن صوما فلن أُكَلِّم اليوم إنْسِيّا) ومن علم ذلك علم أن للصيام غاية عظمى وهدفا أسمى من مجرد حرمان النفس من الطعام والشراب، وفي الحديث الشريف (ليس الصيام من الجوع والعطش وإنما الصيام من اللغو والرفث).

مدرسة الصيام

وقال د. عشماوي: ما أعظم مدرسة الصيام التي تجعل من المسلم إنسانا قويا شامخا لا تهزّه الكلمات ولا تستفزه النظرات، وفي الحديث (ليس الشديد بالصُرْعَة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب) وها هنا رسالة قوية إلى كل صائم أن يعيد صياغة نفسه من خلال مدرسة الصيام فيروّض نفسه على الصبر والتحمّل وقوة الإرادة وضبط النفس فما كل برق لاح له فيستفزّه وعلى الصائمين أن يراعوا زوجاتهم فلا يعكّر أحدهم صفو البيت لتغيّر الحالة المزاجية عنده بسبب الجوع والعطش، الأمر الذي قد يؤدي إلى الطلاق أو الوقوف على قرابة من أبواب الطلاق بل إن الصائم الحق هو الذي يبتهج بأمر الله في الصيام ويعكس روح الفرح والرضا على نفسه وأهل بيته ومجتمعه وفي القرآن الكريم (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) وفي الحديث (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وخاتمة الرسائل الصيامية لكل صائم: اتقوا الله في صيامكم ولا تُحبطوا أعمالكم.

ضبط النفس

ويؤكد د. محمد حسن غانم- أستاذ ورئيس قسم علم النفس بكلية الآداب جامعة حلوان- أن العلم الحديث أثبت أن العديد من الأمراض خاصة المزمنة لا يشفيها إلا الصوم، خاصة مرضي السكر من النوع الثاني كما أن الصيام له العديد من الفوائد النفسية أهمها علي الإطلاق تقوية إرادة الإنسان ومنح الفرد القُدرة علي كبح جماح شهواتة وغرائزه، كما أن الصوم اختبار للإنسان في مدي عشقه وحبه والتزامه بأوامر الله لذا فإن بعض الأفراد ممن يفتقدون إلي الإرادة لا يستفيدون من شهر الصوم فقد يصوم البعض حوالي 17 ساعة ورغم ذلك يسب أو يضرب زوجته وأبناءه إذا تأخّروا عن وضع الطعام في الموعد المحدد وقد يصل الأمر إلي الطلاق، والعصبية الزائدة مع كل الناس واستحباب النوم طوال اليوم وتأجيل مصالح الآخرين هؤلاء لا يستفيدون من حكمة الصيام لقول رسول الله (رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش).

يشير د. غانم، الي أن هذا الصنف من الناس، لم يمتنع أو يغض الطرف عن الأشياء التي يجب أن يربّيها الصوم في نفس وعقل المسلم من عدم الصبر والاندفاع والتهوّر واتهام الآخرين بما ليس فيهم، وهذا عدم امتثال لحكمة الصوم وليعلم هؤلاء أن الله لن يستفيد من جوعنا وحرماننا من إشباع رغباتنا لكنه يزوّدنا بالطاقة والإرادة حتي نتغلّب على الكثير من عيوبنا مثل العصبية والإسراف والكسل.

امتلاك النفس

ويشدّد د. غانم، على ضرورة أن يعلم الإنسان أن الصيام لله وأن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب لأن الكلمة مثل الرصاصة إذا خرجت تصب وتحدث مفعولها السيئ في الشخص الآخر، لذا علي الإنسان أن يتدبر الكلمات التي يريد أن يقولها قبل أن ينطق بها وأن يدرك تأثيرها علي الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات