التحقيقات

الأنفاق على الأيتام والفقراء والمساكين أولى من تكرار الحج والعمرة

تحقيق: سمر هشام

رغم تزايد معدلات الفقر في مصر والعالمين العربي والإسلامي إلا أن هناك من أدمنوا تكرار الحج والعمرة والإنفاق فيها بسخاء يصل إلي درجة الإسراف والبذخ في حين يبخلون بأموالهم علي الفقراء والأيتام والمحتاجين .. ولهذا فإن ” عقيدتي ” من خلال هذا التحقيق تدق ناقوس الخطر لهؤلاء أنهم قد يأثمون بهذه الأفعال التي يكون جانب المظهرية فيها هو الغالب
في البداية أكد دكتور يوسف مصطفى أحمد – مدير الدعوة بأوقاف أسوان، أن المسلم المعتدل المتكامل هو الذي يسعى جاهدا ليكون له من كل خير نصيب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أبْوَابِ الجَنَّةِ ، يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيرٌ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ ” قَالَ أَبُو بَكْرٍ – رضي الله عنه – : بِأبي أنْتَ وَأُمِّي يَا رسولَ اللهِ ! مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرورةٍ ، فهل يُدْعى أحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأبوَابِ كُلِّهَا ؟ فَقَالَ : ( نَعَمْ ، وَأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ) ، وفي حديث آخر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا ). قَالَ أَبُو بَكْرٍ:أَنَا. قَالَ : ( فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً ؟). قَالَ أَبُو: أَنَا. قَالَ ) :فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا ؟). قَالَ أَبُو بَكْرٍ:أَنَا. قَالَ : ( فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا ؟). قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- : ( مَا اجْتَمَعْنَ في امْرِئٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ ) ،فالمسلم المتوازن المتكامل هو الذي يحرص على أن يكون له من كل خير نصيب ، وبالأخص فيما يحتاج إليه الناس والمجتمع ؛ لأن قضاء حوائج الناس وسد احتياجاتهم مقدم على كثير من غيرها من القربات ، قال تعالى: { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} ومن هنا ينبغي أن يعلم كل من يقوم بتكرار الحج أو العمرة ظناً منه بأن هذه العبادة أو القربة أفضل من غيرها فقد أخطأ التقدير والفهم ؛ لأن من أدى الحج أو العمرة فقد سقط عنه الفرض أو الواجب ، كما أن من القربات ما يقتصر نفعها على صاحب القربة ، بينما هناك قربات أخرى يتعدى نفعها له ولغيره ، وكلما زاد النفع زاد الخير والأجر.
وأشار الدكتور يوسف، إلي أن كان تكرار الحج أو العمرة يستحب شرعا ، لقول رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: (تَابِعوا بين الحج والعمرة ، فإنهما يَنْفِيان الذُّنُوبَ والفَقْرَ ، كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة ، ولَيسَ لِحجَّة مبرورة ثواب إلا الجنة) ؛ إلا أن هذا الأمر يستحب ويندب حينما يرى المسلم أن تكرار الحج والعمرة يكون أكثر أجراً ونفعا عن غيرها من القربات ، والواقع الذي نعيشه الآن يحتم علينا إعادة النظر في المسألة والنظر فيها من كل الجوانب ، لأن هناك بعض العقبات أو السلبيات التي تواجه من يقومون بتكرار الحج أو العمرة وبالأخص من يجعلون إنفاقهم في وجوه الخير قاصراً على هذه القربة، ومنها حاجة الكثير من الفقراء والمساكين إلى المال لسد احتياجاتهم الضرورية ، وبالأخص في ظل غلاء الأسعار الذي نعايشه الآن وكذلك التزاحم في موسم الحج والعمرة مما يعوق من سهولة أداء المناسك للحجاج والمعتمرين ؛ خاصة وأن من بينهم الكثير من المرضى وكبار السن ،عدم معرفة الكثير من الناس لفقه الواقع وضرورة تقديم الأهم على المهم ، وأخيراً لا بد من النظر إلى الواقع وتقديم مصلحة المجتمع على الفرد ؛ لأن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها بلادنا عقب الثورة وما تبعها من أحداث قد أضرت بأكثر فئات المجتمع وبالأخص من الفقراء والعمال والبسطاء.
وأوضح الدكتور يوسف ، أن الأموال التي تنفق في الرحلات المتكررة للحج أو العمرة لو أُنْفِقَ بعضها أو حتى عُشرها في وجوه الخير المتعددة لتغير الحال كثيراً، فهناك المستشفيات المجانية لعلاج المرضى من الفقراء والتي تحتاج إلى تمويلات ضخمة، كما أن هناك الجمعيات الخيرية، وهناك الكثير من الغارمين ممن غرقوا في بحر الديون جراء الكساد الاقتصادي الذي عم البلاد.

ويضيف الدكتور يوسف قائلا : إنني أذكر بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي رواه ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلا جاء إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله ؟ وأي الأعمال أحب إلى الله عز وجل ؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم ، أو تكشف عنه كربة ، أو تقضي عنه دينا ، أو تطرد عنه جوعا ، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد ، يعني مسجد المدينة ، شهرا ، ومن كف غضبه ستر الله عورته ، ومن كظم غيظه ، ولو شاء أن يمضيه أمضاه ، ملأ الله عز وجل قلبه أمنا يوم القيامة ، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى أثبتها له أثبت الله عز وجل قدمه على الصراط يوم تزل فيه الأقدام) ولهذا علينا أن ننظر إلى الأمور نظرة عميقة ، فنقدم الأهم على المهم ، والأنفع والأفيد على النافع والمفيد، وما يتعدى نفعه على ما يقصر نفعه هدانا الله تعالى جميعا لما فيه الخير وصلاح الأمر في الدنيا والآخرة .
ضوابط شرعية

أوضح الدكتور أحمد شبل ، أن الحج ركن من الأركان الخمسة التي بُنِي عليها الإسلام، وفرض الله تعالى الحج فرضه مرة واحدة في العمر؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس، إن الله عز وجل قد فرض عليكم الحج فحجوا» فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم ” ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء، فدعوه»، ولم يؤد النبي صلى الله عليه وسلم فريضة الحج إلا مرة واحدة في حياته وكذلك غالب الصحابة ومع ذلك فيجوز تكرار الحج أكثر من مرة عن النفس وعن الغير، ولكن في ظل حالة الفقر والغلاء والأزمات الاقتصادية التي تعيشها الأمة الإسلامية هذه الأيام ينبغي أن نعيد النظر في تكرار الحج والعمرة خاصة وأنه تدفع فيهما مبالغ خيالية طائلة كان الأولى بها فقراء المسلمين ومصالحهم العامة طالما أن الشخص قد أدى فرض الله الذي عليه؛ والدليل على ذلك أن مصالح المسلمين العامة مقدمة على المصالح والأغراض الشخصية للفرد؛ فقد رتب الإسلام أجرًا عظيما على من ينفعون الناس ويهتمون بمصالحهم حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم “من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه يوم القيامة”، وقد قال أيضًا “وخير الناس أنفعهم للناس”
وأشار الدكتور أحمد شبل ، إلي أن العلماء أكدوا أن هذه الأعمال من أفضل الأعمال في الإسلام فقالوا لكون نفعها يتعدى إلى الغير فكلما كان النفع متعد ويستفيد منه أكبر عدد من الناس كان الثواب أعظم وأكبر ولذلك لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السيدة خديجة وهو يقول لها لقد خشيت على نفسي قالت له كلا لا يخزيك الله أبدا وكانت الأسباب التي استندت إليها في عدم خزي الله له صلى الله عليه وسلم كلها أسباب فيها نفع للإنسانية فقالت له : “كلا لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الدهر”. ولهذا كله وجب علينا أن نعيد النظر من جديد في أمر تكرار الحج والعمرة فكثير من الناس يذهب ليلبي رغبته الشخصية ومتعته الذاتية ويدفع في مقابل ذلك مبالغ خيالية كان الأولى بها أن نرسم البسمة على وجه مئات اليتامى والأرامل والفقراء والمساكين والغارمين الذين باتت السجون مسكنًا لهم ولا يجدون لهم مأوى ولا يقدرون على مواجهة أعباء الحياة المختلفة في ظل غلاء غير مسبوق وأمراض مستعصية فتاكة، فقد يتكفل الحاج بتكلفة حجته غير المفروضة أسرا وبيوتا ويكون سببا في إعمارها وعدم خرابها ويكون ذلك له عند الله أعظم وأبلغ من ألف حجة لو حجها، ذلك بأن حجه التطوع يعود نفعه على نفسه فقط وأما إنفاقه على الفقراء وفي المصالح العامة يستفيد منه أناس كثيرون يفرج كرباتهم وييسر عليهم حياتهم وفي مقابل ذلك يفرج الله كربة هذا المنفق وييسر عليه في الدنيا والآخرة.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق