التحقيقات

اختلاف طقوس وعادات الحج بين الطوائف والفرق الدينية..تعرف عليها

الشيعة إلى كربلاء.. والصوفية إلى أبى الحسن الشاذلى والبهائية إلى "باب البهاء":

د.عمرو أبو الفضل

الحج رحلة دينية لأماكن مقدسة، عرفتها البشرية منذ عهود سحيقة، وعبر التاريخ تكررت محاولات تقليد الكعبة المشرفة وبناء نماذج تشبهها ليحج الناس إليها، وكان الهدف من هذه المحاولات، هو الحصول على المكانة والقداسة والتعظيم التي يحظى بها المسجد الحرام، لذلك اتخذت بعض الطوائف والفرق والمذاهب طقوس خاصة تتشابه مع مناسك الحج. كما عرفت أغلب الديانات الأخرى مزارات مقدسة وطقوس تهدف إلي التقرب من الخالق والحصول على المغفرة والبركة.
ذكرت كتب التاريخ أن أول محاولة لهدم الكعبة وبناء غيرها، كانت قبل الإسلام على يد تبع أسعد أبى كرب وابنه حسان بن أبى كرب، وهما من ملوك اليمن، بعدما لاحظا إقبال الناس على زيارة الكعبة والتجارة في مكة، مما كان يؤثر على التجارة في اليمن، فقررا هدم الكعبة ونقل حجارتها إلي اليمن، ليكون البيت اليمني الجنوبي كعبة يقصدها الناس بدلاً من كعبة مكة وكان الدافع وراء هذه المصلحة الاقتصادية، فكانوا يريدون أن تنصرف التجارة والرخاء إليهم ولكن مني هذا المسعى بالفشل.
وبعدها بسنوات طويلة حاول أبرهة تنفيذ خطة لهدم الكعبة ونقل شعائر الحج برمتها بعد ذلك إلى البيت الفخم والبناء الذي أقامه في صنعاء وسار نحو الكعبة غازياً يتقدم جيشه الفيل، مما أحدث الذعر والهلع لدى أهل الحرم، فقد استشعروا أنهم غير قادرين على مواجهة جيش أبرهة، ووقف زحفه، وانزعجت قريش وسيد مكة عبد المطلب بن هاشم، لكن أهلك الله تعالى كما أخبرنا القرآن الكريم أبرهة وجيشه، قال الله تعالى:” أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ*أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ*وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ*تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ*فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ” . وعرف هذا العام الذي جاء فيه أبرهة يريد هدم الكعبة بعام الفيل الذي ولد فيه الرسول- صلى الله عليه وسلم.
وفي سنة 317 هجرياً قام أبو طاهر القرمطي، زعيم القرامطة بالبحرين، بغارة على مكة والناس محرمون للحج، وهاجم هو واتباعه الحرم، وذبحوا الحجيج، وارتكبوا الفظائع، وانتهكوا الحرمات، واقتلعوا الحجر الأسود، وأخذوه معهم إلى ديارهم، ووضعوه في بيت كبير، وأمروا الناس بالصلاة لكعبتهم، ولكن سكان منطقة القطيف رفضوا، فقتل القرامطة منهم الآلاف، وظل الحجر الأسود لدى القرامطة لمدة 23 عاماً حتى هدد حاكم مصر زعيم القرامطة بضرورة إرجاع الحجر الأسود مكانه وإلا حاربهم حرباً لا هوداة فيها، فأعاده إلى الكعبة واحد مهم يدعى سنبر.

بدع وطقوس

ابتدعت بعض الطوائف والفرق وأصحاب المذهب مناسبات ومناسك ومقامات خاصة بها وسعت لإصباغ القداسة عليها، مثلما فعل الشيعة، فرغم أنهم يؤمنون بالحج إلي مكة ويؤدن فريضته، إلا أن حج الأربعين لا يقل أهمية لديهم عن حج مكة، فيحج ملايين إلى ضريح الحسين في مدينة كربلاء العراقية سنوياً، متضامنين في طقوس الحزن على الحسين الذي قتل عام 680 ميلادي، ينحدر معظمهم من إيران والعراق وحتى من أنحاء العالم، ومن مذاهب أخرى، ويقطع البعض مسافات هائلة مشياً على الأقدام في تأدية الحج المقدس.
أما الطائفة الدرزية فالمصادر المختلفة تؤكد أنهم لا يؤدون فريضة الحج إلى مكة، ويقصدون في نفس توقيت عيد الأضحى مقام السيد الأمير عبد الله جمال التنوخي في عبيه، الذي عاش في القرن الخامس عشر، ويقتصر أداء فروضهم الدينية المتعلقة بالأضحى على الذهاب إلى الخلوات التي هي بمثابة المساجد بالنسبة إليهم، واستباق العيد بالصوم الاختياري والمجاهدة وإحياء ليلة الوقفة بديلاً لصلاة الصبح في المساجد لدى المذهبين السني والشيعي.
كما خص البهائيين أنفسهم بأماكن مقدسة يحجون إليها، الأول كان يطلق عليه “بيت الباب” في إيران، والثاني “بيت البهاء” بالعراق، وعندما تم هدمهما، حددت الجمعية العالمية البهائية أماكن الحج في ضريح “بهاء الله” مؤسس البهائية، و”قصر البهجة” وهو المكان الذي سكنه البهاء خلال سنواته الأخيرة في عكا بفلسطين، ولا يوجد وقت محدد للقيام بالحج. كما تقتصر الطقوس على الطواف والصلاة والصيام وغيرها من العبادات.
ويعد مهرجان “كوميه ميلا” في مدينة الله أباد بمثابة حج الهندوس الذي يتكرر أربع مرات خلال 12 عاماً، وفيه يتجمع الهندوس في مناطق مختلفة من الهند بين يناير وفبراير كل ثلاث سنوات، وفي العام الـ12 تتوافد الحشود بمدينة آباد لممارسة الطقوس الأكثر أهمية، وهو الغطس عند ملتقى نهري “غانغس وياومونا”، للتخلص من الخطايا بمباركة رجال الدين الهندوس.

الحج الأصغر!

ويتخذ السيخ من “هارماندير صاهيب” أو المعبد الذهبي مكان للعبادة، حيث يحج إليه الناس للحصول على الغفران والتخلص من الخطايا، والتبرك بالنصوص المقدسة، وزيارة حوض الرحيق للخلاص والتوبة والبركة.
ويحج أتباع بوذا إلي “بودا جا” الذي يقع على نهر نيرانيانا في الهند، كما يعد معبد ستوبا في كاتماندو مكانا للحج حيث يتوجه آلاف الحجاج البوذيين خلال رحلة مقدسة إلي نيبال لزيارة ستوبا والاديرة القريبة منه، ولا يوجد وقت أو طقوس أو شعائر معينة للحج ولكن تكون الرحلة جماعية لطلب البركة والصفح والتوبة والراحة الروحية.
أما اليهود فيحجون إلى حائط البراق، أو “حائط المبكى” حسب التسمية اليهودية، في القدس، والذي يزعمون أنه حائط من هيكل سليمان المهدوم للمرة الثانية على يد الرومان. وتتلخص طقوسهم في ترديد الشعائر التوراتية والبكاء والنواح عند الحائط،. ويوجد لليهود مزارات وأماكن مقدسة أخرى يحجون إليها بأعداد كبيرة كل عام، منها معبد الغريبة في جزيرة جربة التونسية.
وفي العصر الحديث يقوم الصوفية بأداء ما يسمونه بـ” الحج الأصغر” في ضريح أبو الحسن الشاذلي بجبل حميثرة بمحافظة البحر الأحمر في نفس وقت موسم الحج، حيث يقفون أعلى جبل حميثرة في يوم عرفات من طلوع الشمس حتى الزوال، تزامناً مع الحجاج على عرفات، ويطلقون على شعائرهم “الحج الصغير” ويؤدون مناسك الحج من نحر وخلافه، وتنظم كل طريقة صوفية موكباً يدور حول الجبل وينتهي عند مقام الشاذلي، ويرددون “لبيك اللهم لبيك” وتقام حلقات الذكر والمديح النبوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق