بين الصخور

مقصوفة الرقبة..

بقلم: موسى حال

إذا أراد أى باحث يؤرخ للشعب المصرى على مدار حقبه المتعددة.. المختلفة، فعليه أن يستقصى الأمثال الشعبية ويؤصلها، ويحاول أن يصل إلى مبدأها، ينقب عنها فى القرى والنجوع والمدن والشوارع والحواري.. ويرجع

لأصولها.. وهنا يمكن أن يؤرخ الباحث مجلدات فى تاريخ وسلوكيات وأخلاقيات وثوابت هذا الشعب العجيب.

استوقفتنى جملة دائماً أسمعها فى الإعلام.. وعلى ألسنة النساء فى الأماكن الشعبية القديمة.. تقول هذه الجملة “مقصوفة الرقبة” تلقيها النساء لإمتهان من يردن إهانتها، وحيث أن الكلمة أو المثل جاء على ألسنة نساء المناطق الشعبية القديمة فحتماً لابد لها من أصل وربما تكون حادثة أو أمر جللا.

وحيث أننى من ضمن الآلاف المولعين بتاريخ هذا الشعب وسيرته ومسيرته وثوابته، فقد دفعتنى جملة “مقصوفة

الرقبة” أن أتتبعها حتى أصل لمنبتها، ولزمت بعض الكتب التاريخية التى تتناول تاريخ مصر الإسلامية، حتى وصلت لكتاب “القاهرة شوارع وحكايات” لحمدى أبوجليل.. وانتهت عنده لمطلبي.. ووصلت إلى أصل أوحكاية كلمة “مقصوفة الرقبة”.. وها هى الحكاية.

كنت القاهرة هادئة مطمئنة يأمن كل من فيها على دينه ونفسه وعرضه، والنساء فيها غاية فى التحفظ.. خروج المرأة نادراً وخروجها مع غريب جريمة الجرائم، ظل هذا الوضع حتى دنست الخيول الفرنسية أرض الوطن بدخول الحملة الفرنسية.. حيث بدأت الحملة بذر بذور لأخلاقيات لا يعرفها المصرى بل يأنف منها ويمقتها، ومنها خروج الفتيات مع جنود الاحتلال أو إقامة علاقات غرامية أو اكثر مع فتيات مصر.. المهم.. حدث أن إستيقظ المجتمع المصرى على قنبلة مدوية لزمت ألسنة الرجال والنساء.. إنها حادثة شابت من أجلها نواصى الأطفال.

بنت السيد خليل البكرى نقيب الأشراف اخترقت العادات، وهدمت الأخلاق، ولوثت الطباع حيث أجرت اتصالات غرامية مع أحد جنود الاحتلال وجرت بينهما علاقات آثمة، الغريب أن الأمر خرج للعلن، وأصبح قضية رأى عام لعدة أسباب أولها أن هذه الفتاة فعلت ما لا تفعله البغايا وفى مجتمع محافظ، ثانيا إنها بنت نقيب الأشراف.. وياله من عار.

وللحقيقة أن والدها لم يرضه هذا المسلك ورأى فيه إهانة قد تهدم معبد الأشراف على من فيه وتحرك الرجال.. والكبراء.. للعمل على غسل عار مصر والاسلام، والأشراف.. وهنا قرر السيد خليل البكرى وأسرته قطع رقبتها.. وقصفت رقبتها وعرفت الفتاة ـ غفر الله لها ـ “بمقصوفة الرقبة” وتناقلتها الألسنة نكاية فى أى امرأة ترتكب جريمة التفريط فى جسدها، وتطورت الجملة لتحمل غيظ أى امرأة على أخري.

الغريب أن مقصوفة الرقبة فى أول القرن التاسع عشر هى نفسها مرفوعة الهامة فى القرن الحادى والعشرين..

فما كان يندى له الجبين وقتها هو الآن مثار فخر واعتزاز على ساحات الاعلام، ومن كان مولعاً برؤية طرف من كعب فتاة.. أصبح متأففاً من رؤية التفاصيل الكاملة للكاسيات العاريات، ومع ذلك فمازلنا نستعمل مقصوفة الرقبة، أى أن ثوابتنا واحدة حتى قيام الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات