بين الصخور

فى ركب الأكابر

بقلم: موسى حال

فى جولة سريعة قمت بها أنا وزميلى محمد الأبنودى فى حوارى وأزقة القاهرة القديمة، لهوى داخل النفس أن نزيل غبار الحاضر عن كاهلنا، ونتنسم عبق الماضى النقى النظيف، وأن نرفع أقدامنا من الوثوب فى الأرض الرخوة الى قمم الجبال الشم، التى تقف فى شموخ تتحدى الحاضر والمستقبل.

قمنا فى جولة نحتسى فيها كوبا من الشاى فيه عبق عنبر المعز لدين الله الفاطمي، وسكر مصانع محمد علي، وكوبا على زخرفة وفى المنصور قلاوون.

غمرنى احساس وأنا أتهادى فى الحوارى والأزقة.. بالشموخ والعظمة.. فأنا أسير مع الظاهر بيبرس أسعى خلفه حتى أصل لميدان جامعه كى أشاهده وهو يتمتع بالرياضة.

خرجت تماما من الحاضر حتى أنى لم أعد أشعر بحديث زميلى وهو يسير بجواري، رحت أرفع يدى ثم أخفضها وكأنى أضرب فرسى كى ألحق بركب “المحتسب” الذى ترتجف من طلعته فرائض رجال حوانيت القاهرة.

نسير.. وتسبقنا هاله من الاحترام المغلف بالخوف.. أصحاب الحوانيت يرسلون الرسائل لبعضهم، فضيلة “المحتسب” قادم يصحبه بعض الضيوف، الحوانيت تكتظ بكل ما تطيب له النفس وما تلذ، تتكدس فى أحشائها كل بضاعتها، لا تجد البضاعة خارج الحانوت، اللهم إلا من دكة يجلس عليها صاحب الحانوت أو من أراد أن يستريح من المارة، وأحيانا يجلس عليها فضيلة المحتسب وهو يعطى تعليماته للتجار.

الزحام هو.. هو نفس الزحام.. هو طبع المصريين.. الشارع رغم ضيق عرضه الا أن الحمير والعربات التى تجرها الحمير تكاد تخطف منى فرحتى بالتمتع بجمال الشارع وعبقه مسمط الحاج عبدالوهاب تنبعث منه رائحة حساء اللحم الضانى يقابله مشويات الحاج مدبولى يدس فى خياشيم كل المارة برائحة شواء اللحوم والدواجن.. وعلى ناصية مع حارة ضيقة تجلس السيدة حفصة، تطهى كما كبيرا من العصافير.. يتهافت عليها متوسطو الحال، بعض الصبية يتخطف منها عصفورا سرقة فلولا خبر قدومنا لتطاول عليها الصبية، ابتسم فى وجها المحتسب ألقى عليها السلام، سلام عليك يا حفصة. ترد: ربنا يرضى عليك يا مولانا، ويحميك من القادم. سألته عن دعاء هذه السيدة، فنزلت من عينيه قطرة من الدمع وقال: كانت من أثرياء المحروسة زوجها كان من كبار تجار الغلال، النيران أكلت وكالته.. وأردته قتيلا.. وذهبت الدنيا عنها وعن أولادها الثمانية.

زمجرت الأجواء عندما نزل جنود المحتسب لتهجم على بعض الحوانيت التى بها موازين صدأة، معطلة، ولذلك انزويت وخرجت من الشارع، حتى وجدتنى أسير مع “خاير بك” أول والى على مصر من قبل الدولة العثمانية، له طلعة فيها شموخ القادة المحاربين، تتطاير من هيئته شموخ العظمة وأحيانا يبدو من قسمات وجهه نوع من الأنفة، كنت أرتجف وأنا أصاحبه من صلابته، وصرامته، حدثني: أبشر يا ابنى سينتشر العدل والرفاهية للشعب المصرى برعاية خليفة المسلمين العثمانى والحمدلله أننا قطعنا دابر المماليك الذين دفنوا عزة وانسانية المصرى فى صحراء الدراسة.

كان متجها نحو القلعة حيث مقر الحكم والسيادة فى مصر، فانسللت بسرعة حتى لا أصل للقلعة.. فأروقة الحكم لا تجد فى نفسى هوى وتصيبنى بالاختناق، وعادتى أخشى تقلبات أجواء هذه الأروقة.

أيقظنى زميلى وأنا أدير ظهرى لموكب خاير بك وجذبنى إلى مقهى صغير كساه الزمن بالأصالة، انسقت لطلبه، وجلسنا مع أكواب الشاى ودار بيننا هذا الحديث.. الذى سأرويه فى هذه الزاوية من الأسبوع المقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات