بين الصخور

الموت قبل الموت

بقلم:موسى حال

يشعر الإنسان بدنو أجله، وفناء عمره، عندما يفقد أعزاء عاشرهم، أو أحباب صادقهم، أو أصدقاء عايشهم، أو زملاء أفنى

عمره وسطهم، فكلما تَفَـلَّتْ من الإنسان عزيز أو صديق أو قريب أو حبيب، فقد انتقصت أجزاء كبيرة من جسده،

وانسدت بعض  شرايين قلبه، فالزهرة تظل يانعة متى عانقت قطرات الندى حتى تجف هذه القطرات، فيلحق بالزهرة الذبول،

وزوال رحيقها، وبهاء جمالها” فما تفيد الحياة وقد تقطعت وانتقصت أجزاء الجسد”؟.

وماذا تفيد الحياة بعد انسداد شرايين القلب؟ “إنها النهاية قبل أن أنتهى”

وماذا يفيد ساق النبات الغض بعدما تنسل منه الأوراق اليانعة، الوارفة، حينما يأتيها الجفاف، وتذروها الرياح ورقة تلو

أخرى، فتفقد الساق ماء الحياة، وتزول عنه رقائق نضارته، ويصير إلى الذبول، فتأتى الرياح تحمله لتلقى به تحت الثرى

“هكذا هى الحياة”.

هكذا هى الحقيقة الصادمة التى تُدمى قلوب البشر المرهفة، فعندما تتوالى على الإنسان عجلة الزوال، فقد زال حينما يفقد

أهله، أصدقائه، زملائه فقد زال قبل أن يزول وها أنذا مع فقدان الكثير لا أملك فى الدنيا إلا قلب ينبض بالحب، وجدول

ماء أشرف معينه على النضوب.

أعيش الآن بقلب واهن وشرايين تجلط فيها الهَّمْ، وأوشكت على الانسداد، أعيش برئة تخرج منها الأنفاس متقطعة تشعل صدري.. وتزيد ألمى، وغشى بصرى فلم يبق إلا بصيص أرى به أنعم اللَّه.

فى مثل هذا اليوم من الأسبوع الماضي، أراد الزمن أن يفجعني، أن يزيد ألمى.. فقدت أخى الكبير.. الرجل الصالح الذى تنعم كل من عرفه بعبق رحيق أخلاقه، وصفاء سريرته وجزيل عطائه، رحل عنا بعد معاناة قاسية مع المرض اللعين

الذى هجم عليه كهجمة الليث على فريسته، ظل ينهش بمخالبه فى عظامه.. فكان ألمه شديداً لا يقدر عليه إنسان.. تحمل

الألم وحده.. ذاق مرارة عذابه وحده.. لم يسمح لأحد أن يشاركه الآلام، ومع ذلك كان باسم الوجه.. يزداد الألم الذى تئن

منه الجبال الشُم.. فتخرج الآهات ويفوح منها رحيق الشكر والحمد لرب الكون.. كان تواقاً لحب رسول الله وكأنه استعجل المرض حتى يصل لمن أحب، ويُحْشَر مع من أحب.

رحل بعد أن أفرغ المرض اللعين جرابه من كل ذنوبه، رحل بعد أن ابيضت صحيفته، وسَمَتْ ساحته.

رحل، وفاضت روحه وهو ينشد شفاعة رسول الله، ورضي وحب ربُّ الحياة والموت.

رحل عنى.. كما رحل عنى الكثير من أقاربى وأحبائى وأهلى، وأصفيائى، رحلوا جميعاً.. 

فماذا بقى لى الآن؟

لم يبق إلا دمعة حارقة تنسَّل من مآقيّ.. فتنساب على خدى، فأشعر أنى مازلت حياً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات