بأقلامكمرمضان

فضل العشر الأواخر وليلة القدر

بقلم الداعية علي محمود شهاب الدين..الطالب بكلية الدراسات الإسلامية والعربية

فها هي بشائر الخيرات قد أطلّت، ونسائم الرّحمات قد أظلّت، ولحظات المنح والعطايا قد حلّت؛ بإقبال العشر الأخيرات من شهر الفضائل والبركات؛ هذه العشر التي حوت فضائلَ جليلةً كثيرةً، وأجوراً كريمةً وفيرةً؛ حريٌّ بكلِّ مسلم أن يغتنمها، وبكلِّ مؤمنٍ أن يستثمرها، أسوته في ذلك نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام الّذي كان إذا دخلت عليه العشر الأواخر، أقبل على عبادة ربِّه وشمّر، واعتزل نساءه وشدّ المئزر، وأحيا اللّيل بالصّلاة وقرأ القرآن وتدبّر، واجتهد فيها بالطّاعة ما لا يجتهد في غيرها من اللّيالي الغوابر.

وقد روى مسلم في (صحيحه) عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ -أي: من رمضان- مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ»، وفي الصّحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ». ومعنى (شدّ المئزر) أي:اعتزل النّساء ؛ كما فسّره بذلك سفيان الثّوريّ وغيره من العلماء. وإنّما كان النّبيُّ صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في هذه الليالي الطّيّبات ؛ ليتقرّبوا إلى الله سبحانه بالصّالحات، ويشهدوا ما فيها من الخيرات، وينالهم ما فيها من الرّحمات والبركات.

وهكذا كان الصّحابة رضي الله عنهم والسّلف الصّالحون يجتهدون في العبادة باللّيل وإلى الله يتقرّبون، ولفضله ورحمته يتعرّضون، ويأمرون بذلك أهليهم ولهم يوقظون؛ فها هو عمر بن الخطّاب رضي الله عنه -كما في (موطّأ مالك)- : «كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلاَةِ، يَقُولُ لَهُمُ: الصَّلاَةَ! الصَّلاَةَ!، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾»، وقال سفيان الثّوريّ رحمه الله: «أحبُّ إليّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجّد باللّيل، ويجتهد فيه،  وينهض أهله وولده إلى الصّلاة إن أطاقوا ذلك» .

وهذا لما في هذه اللّيالي من الأجر العظيم والفضل العميم، الّذي لا يزهد فيه إلاّ محروم، ولا يفوِّته إلاّ مغبون، كيف لا؟! وفي هذه اللّيالي ليلة القدر؛ الّتي جعلها الله خيراً من ألف شهر، وعظّم سبحانه شأنها، ورفع أمرها وقدرها؛ فقال جلّ وعلا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، قال الزّهريّ رحمه الله: «سمّيت ليلة القدر لعظمها وقدرها وشرفها» .

وفي هذه اللّيلة ابتدأ نزول القرآن، الّذي جعله الله رحمة وهدى لبني الإنسان، وفيها يُفصل ويُقضى كلُّ أمر حكيم، ويُقدّر ما يكون في السّنّة كلِّها بإذن العزيز العليم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾. والعمل الصّالح فيها خير من العمل في ألف شهر؛ قال -عزّ وجلّ-: ﴿َليْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾؛ قال مجاهد رحمه الله: «عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر». وتنزل الملائكة فيها ومعهم جبريل الرّوح الأمين من السّماء؛ بكلِّ خير وبركة ونعماء؛ كما قال ذو الجلال والكبرياء: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾؛ أي: بكلّ أمر؛ قضاه وقدّره الله -عزّ وجلّ-، وقد قال الحسن البصريُّ رحمه الله: «إذا كان ليلة القدر لم تزل الملائكة تخفقُ بأجنحتها بالسّلام من الله والرّحمة من لدن صلاة المغرب إلى طلوع الفجر»؛ فهي ليلة سلام وأمان للمؤمنين؛ من كلّ شرٍّ وسوء، ومن عذاب ربِّ العاملين؛ لكثرة من يعتق فيها من النّار من العصاة المذنبين؛ ولهذا قال عزّ وجلّ:﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.

ومن هنا رغّب النّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمّته في تحرِّيها في العشر الأواخر من شهر الصّيام، وحثّهم على طلبها وإصابة فضلها بالعبادة والقيام؛ فقال -كما في الصّحيحين-: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» ، وهي في الأوتار من هذه اللّيالي أرجى منها في الأشفاع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم -فيما رواه البخاريّ-:«تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»، والسبع البواقي من هذه اللّيالي أقرب لوقوعها، وأرجى لمجيئها؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: « أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ -أي: اتّفقت- فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ؛ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» [متّفق عليه]، ولمسلم: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ؛ فَلاَ يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي».

فهذه اللّيلة إذاً :

لا تختصُّ بليلة السّابع والعشرين؛ خلافاً لما يظنّه كثير من المسلمين؛ بل هي متنقّلةٌ -على الرّاجح-؛ فتكون في عام ليلة السّابع والعشرين -كما وقعت ليلتها في زمانه صلى الله عليه وسلم ، وجزم بذلك بعض الصّحابة رضي الله عنهم أجمعين-، وفي عام آخر ليلة خمس وعشرين، أو تسع وعشرين؛ أو غير ذلك من اللّيالي الوتر؛ بدليل أنّها وقعت في زمنه صلى الله عليه وسلم ليلة ثلاث وعشرين؛ كما ثبت في (صحيح مسلم) عَنْ بسر بن سعيد عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ». قَالَ: «فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَانْصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ». قَالَ: «وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ يَقُولُ: ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ». وفي الصّحيحين من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنّها كانت ليلة إحدى وعشرين.

ويؤكّد هذا : أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه رضي الله عنهم -وأمّته من بعدهم- أنّه قد رفع تعيينها؛ حتّى يجتهد العباد في طلبها، وتحصيل فضلها، وحتّى يتبيّن من كان جادًّا في إصابتها، ممّن كان مفرّطاً كسلانَ في شأنها، مكتفياً بقيام ليلة واحدة من لياليها؛ ففي صحيح البخاريّ عن عبادة بن الصّامت رضي الله عنه قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَتَلاَحَى-أي: تنازع وتخاصم-رَجُلاَنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ».

ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في (فتح الباري) (4/266)- بعد أن ذكر أقوال العلماء فيها-: «وأرجحها كلها أنها في وترٍ من العشر الأخير، وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب».

ولكن ينبغي أن يعلم أن الوتر له اعتباران: اعتبارٌ بما مضى، واعتبارٌ بما بقي؛ فإذا كان الشّهرٌ تامًّا فالأوتار باعتبار ما بقي هي ليالي الشّفع، وهذا ما دلّ عليه ظاهر السنّة والأثر؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم -فيما رواه البخاريّ-: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى ، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى ، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى».

قال الطِّيبيُّ: – كما في (عون المعبود) (4/ 257) -«قوله: (في تاسعة تبقى) الليلة الثانية والعشرون؛ تاسعة من الأعداد الباقية، والرابعة والعشرون سابعة منها، والسادسة والعشرون خامسة منها».

وجاء حديث عبادة الصّامت رضي الله عنه السّابق في (صحيح مسلم) من رواية أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه، وفي آخره: قال أبو نضرة: «قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ! إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا. قَالَ: أَجَلْ! نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكُمْ. قَالَ: قُلْتُ: مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ؟ قَالَ: إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَهْيَ التَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلاَثٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ».

وروى البخاريُّ في (صحيحه) عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ هِيَ فِي تِسْعٍ يَمْضِينَ أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ؛ يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ». قال البخاريُّ: «وَعَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْتَمِسُوا فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -كما في (مجموع الفتاوى) (25/ 284- 285)-:

«ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان؛ هكذا صحّ عن النّبيّ أنّه قال:«هي في العشر الأواخر من رمضان»، وتكون في الوتر منها؛ لكن الوتر يكون باعتبار الماضي؛ فتطلب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين.

ويكون باعتبار ما بقي؛ كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لتاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى» [رواه البخاريّ والطيالسيّ، واللّفظ للثّاني]؛ فعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الأشفاع، وتكون الاثنين والعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى، وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح … وإن كان الشهر تسعاً وعشرين كان التاريخ بالباقي كالتاريخ الماضي.

وإذا كان الأمر هكذا؛ فينبغي أن يتحرّاها المؤمن في العشر الأواخر جميعه».

هذا؛ وممّا يحسن التّنبيه عليه: أنّ الله تعالى ما أخفى علينا ليلة القدر إلا لنجتهد في طلبِها، ونزداد رغبة في نيل فضلها وثوابها، وليتميّز الّذين يسارعون في الخيرات؛ ممّن يتّبعون المغريات، ويستثقلون الطّاعات كلّما توالت اللّحظات، ومع ذلك فقد أخبرنا النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعلامات نستدلُّ بها على وقوعها، ونهتدي بها إلى معرفتها.

* فمن ذلك : أنّ ليلة القدر ليلة طيّبة معتدلة، لا حارّة ولا باردة؛ كما ثبت في (صحيح ابن خزيمة) عن ابن عبّاس رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قوله في ليلة القدر: «لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ-أي: سهلة طيّبة-، لاَ حَارَّةٌ وَلاَ بَارِدَةٌ».

* ومنها : أنّها ليلة مضيئة؛ يظهر فيها النّور جليًّا، ولا يُرمى بنجم ليلتها ؛ لانخناس الشّياطين وصَغارهم فيها؛ كما روى الطبرانيّ عن واثلة بن الأصقع رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ بَلَجَةٌ؛ لا حَارَّةٌ وَلا بَارِدَةٌ، وَلا يُرْمَى فِيهَا بِنَجْمٍ».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات