بأقلامكم

التصالح مع النفس

بقلم: كواعب البراهمى

هو من وجهة نظري مرتبة من مراتب الزهد، فالزهد ليس ترك الدنيا وارتداء الممزق من الملابس أو ارتداء الخيش، ومجانبة الناس والبعد عنهم وعدم الاستحمام!

مرحلة لاحقة

فربما تلك مرحلة لم أصل إليها في فكري وفي قناعاتي ولا أعرف كنهها، وربما ذلك لنقص في تركيبتي أنا، وربما لأنني مازلت متعلقة بمباهج الحياة.

أو ما يسمّيها البعض الحياة العادية، من حب العيش الرغيد أو الرفاهية، فلايزال في نفسي حب وتطلع للرفاهية.

أعشق الجميل

لازلت أعشق الجميل من الأماكن ومن الطعام والشراب، بعكس أولئك الزاهدين الذين يرون أن حبهم لما عند الله يغنيهم عن حب ما في الحياة، ويطمحون في الآخرة أكثر من طموحهم في الحياة الدنيا، ولا يهتمون بما يأكلون ولا أين ينامون!

مرحلة رائعة

لذا أنا أختلف عنهم ولكن في النهاية أري أن التصالح مع النفس هو مرحلة رائعة من مراحل الزهد، فعندما أتصالح مع نفسي لا أكره أحدا، ولا أطمع فيما عند أحد، ولا أغير من أحد، ولا أتمني ما فضَّل الله بهم بعضهم عليّ، لأني لدي ّقناعة بأن ما عندي هو الأفضل والأحسن والأسعد.

اختيار الله

ما عندي هو ما كتبه الله، فكيف أري أن ما كتبه الله قليلا أو غير كاف أو غير جميل أو لا يناسبني؟! كيف أري نفسي أفضل نظرة من الله وأكثر فهما؟! كيف أغضب من نقص شئ أو أتبرم من مرض أو أعاني من عدم رضا؟!

كيف لي أن أعدِّل في صفحة مكتوبة بيد الخالق العظيم؟! منذ يومين نظرت إلي فتاة ووجدت أن أكتافها عريضة بالنسبة لجسمها، فقلت بداخلي: تقسيم جسمها ليس جميلا! ثم استغفرت الله كثيرا، كيف لي أن أفعل ذلك؟! كيف لشخص أن ينتقد صنع الخالق العظيم؟! كيف لي أن أجرؤ علي فعل ذلك؟!

القياس الخاطئ

وإذا أردنا القياس فالقياس كثير، فبعضنا يري أن فلانا رغم غبائه فهو أكثر مالا! وأن فلانة رغم عدم جمالها تزوَّجت سريعا! وأن فلانا رغم فقره لديه أولاد! وأنه كيف لفلان المسكين الفقير لديه أمراض ولا يمتلك العلاج؟!

أفكار خطيرة!

ونظن ونحن نري ونتحدث أو نصمت أننا أصحاب رؤي واسعة! وأصحاب أفكار خطيرة! ولا نعلم مدي الحكمة في أن فلانا فقيرا ومع ذلك فهو مريض! لا نعلم أنه ربما له في الآخرة ما ليس لنا! أو ربما هو سبب دخول بعضنا الجنة بعطفهم عليه وتصدقهم!

حكمة الله

الله سبحانه وتعالي خلق ولا معقِّب علي خلقه ولا علي حكمه، هو أعلم بما خلق وما يريد، نحن نحكم علي الظاهر، ولا نعلم ما تُكِنّ الصدور، وهو يحكم علي الداخل ويجازي من يستحق بما يستحق، وحتي لو كان هذا الشخص طيبا هادئا متعاونا ويحبه الناس ويدعون له، فليس الله بظالم له عندما حرمه من نعمه ولا اختبره بنقمه، لأنه وحده العالم بما أعطي وبما منح، وهو الذي لا يظلم مثقال ذرة، فلماذا ننصِّب أنفسنا آلهة؟! ونحمِّل أنفسنا ما لا نطيق؟!

لذا، المتصالح مع نفسه ومع أقداره، والذي يحمل نقاء السريرة، وصفاء القلب وهدوء النفس هو من الزاهدين، وإن كان يحب الحياة، فالرضا بالمقسوم هو أعلي مراتب العبادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات