بأقلامكم

أين نحن من جليبيب ياشباب الأمة؟

بقلم: علي محمودشهاب الدين

طالب بكلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر

ورد في السيرة النبوية قصة صحابي جليل اسمه جُليبيب ،هذه القصة تؤكد قيم هذا الدين العظيم.

كان جليبيب رجلا فقيرا ، معدوما، عليه أسمال بالية، جائع البطن، حافي القدمين، مغمور النسب، لا جاه، ولا مال، ولا عشيرة، ليس له بيت يأوي إليه، ولا أثاث في البيت، ولا متاع، يشرب من الحياض العامة بكفيه مع الواردين، يأكل كسرات الخبز إن وجدت فإن لم يجدها بات طاويا ينام ،  و ينام في المسجد، وسادته ذراعه، فراشه الأرض، يفترش الأرض ، ويلتحف السماء طعامه الزيت وليس له من وساده إلا نعليه ،

وكان في وجهه دمامة، لكنه صاحب ذكر لله، وتجارة لكتاب الله، لا يغيب عن الصف الأول في كل الصلوات، ولا في كل الغزوات، ويكثر من الجلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، هو واحد من الطبقة الدنيا الدنيا، لا يملك شيئاً، ولا بيتاً، ولا مأوىً، ولا ثياباً، ولا طعاماً، ولا شراباً، ولا وسامةً، ذهب هذا الصاحبي ذات يوم إلي مسجد رسول الله  تكاد تحمله رجلاه من شدة التعب وكثرة الإرهاق وقد طابت نفسه أن يغشى مجلس رسول الله فلما رآه النبي نظر إلى أصحابه وأشار الى جليبيب قائلا : أتعرفون من هذا ؟

وإذا بأغلب الصحابة لا يعرفون اسمه لأنه ببساطة شديدة إن حضر لن يعرف وإن غاب لن يفتقد ومن الذي يحفظ اسم رجل كهذا ؟  قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه “جليبيب”  ثم نادى عليه بكلمات حانية :  ياجليبيب ألا تتزوج؟

فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم تمتمت شفتاه بكلمات ما زاد منها على أن قال يا رسول الله :  ومن يزوج جليبيبا ولا مال له ولا جاه ؟

يعرف جليبيب أن الناس ما زالوا يحكمون على الشخص بهذه المقاييس الدنيوية لذلك فهو ينتظر زواج الآخرة فتركه النبي صلى الله عليه وسلم ،  وفي اليوم الثاني ناداه وهو يمر يا جليبيب ألا تتزوج ؟  قال : يارسول الله ومن يزوج جليبيبا ولا مال ولا جاه ؟  في اليوم الثالث قال النبي: يا جليبيب ألا تتزوج ؟  فالتفت مستغربا من نداء النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : قلت لك يارسول الله : ومن يزوج جليبيبا ولا مال ولا جاه ؟  قال النبي : يا جليبيب اذهب إلى بيت فلان الأنصاري واخطب ابنته وقل : لقد أرسلني رسول الله إليكم  ويقول لكم : زوجوني ابنتكم وكانت الفتاة من أجمل فتيات الأنصار فذهب جليبيب وطرق الباب فلما فتحوا له قال لهم : أرسلني رسول الله إليكم وهو يسلم عليكم ويقول لكم : زوجوني ابنتكم  فقال الأب : ياجليبيب لامال ولاجاه كيف نزوجك ؟؟  وصاحت الأم بزوجها وقالت : أنزوج جليبيبا وهوعلى هذه الحال لا مال ولا جاه  وابنتنا في موقعها وموضعها التي هي فيه ؟ وتسمع هذه الفتاة المؤمنة هذا الحوارعلى صراحته فتصيح بوالديها من الداخل : كيف هذا ؟

كيف تردان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟  والله إني أجزت زواجي وإني قبلت به زوجا  قالوا : يا ابنتاه انظريه أي  انظري شكله انظري هندامه انظري ثوبه إنه لا يملك من حطام الدنيا شيئا قالت : والله لا أرد خاطبا أرسله رسول الله ويوافق الأبوان أمام إصرار تلك الفتاة المؤمنة ويتحدد يوم البناء ويحضر جليبيب لعروسه ليلة الزفاف وبينما مراسيم الزفاف على بساطتها تعقد وفي الوقت الذي يمم العريس وجهه شطر دارعروسه كي ينعم بها و إذ بمنادي الجهاد يرفع صوته في الخارج : ( يا خيل الله اركبي )  وإذا بجليبيب (رضي الله عنه ) يترك عروسه في زينتها يتركها في حلتها يتركها في أبهى صورها يتركها في أرق وأعذب وأجمل لحظة وصال مابين رجل وامرأة يتركها في ليلة الزفاف  وإذا به يسحب يده من يدها مودعا إياها فإن أمر الله لا يرد وهنا يعلو صوت الحق تبارك وتعالي : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ  ويلتحق بصفوف الجيش نحو الغزوة ويقاتل مع الذين يقاتلون وتنتهي المعركة ويأتي النبي بعد أن انتهت المعركة كي يتفقد أصحابه من الشهداء فيعدد الصحابة كل الناس إلا جليبيبا لا يذكره أحد قال النبي : ألا تفقدون حبيبا ؟  قالوا : من ؟ قال : أفقد حبيبي جليبيب و يبحث عنه النبي في كل مكان فيجده وقد تضمخ وجهه بالدم وأصيب بجراحات بليغة وتعفر وجهه من طين الأرض وترابها فينفض صلى الله عليه وسلم عن وجهه التراب ويضع رأسه على فخذه الشريف ويبكي النبي ثم يقول صلى الله عليه وسلم أيا جليبيب قتلت سبعا من الكفار ثم نلت الشهادة أنت مني وأنا منك أنت مني وأنا منك أنت مني وأنا منك ثم أشاح برأسه يمينا وقال : أتدرون لم أشحت بوجهي ؟ قالوا : لم يا رسول الله ؟ قال : والله إني رأيت زوجاته من الحور العين يتسابقن إلى احتضانه وأعرفه رجلا غيورا فأشحت بوجهي حتى لا يغار .

قال الله _ تعالي (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا).

وفي الختام عزيزي القارئ .. ما أحوج الأمة إلى جليبيب الذي نراه وكأنه أراد أن يعطي درسا إلي الشباب درسا في الحياء والتقوى وصيانة الأعراض.فتأمل معي يا أخي المسلم كيف أن هذا الصحابي قدباع دنياه واشترى آخرته وقدم نفسه قربانًا إلى الله؟؛ لأنه يعلم أن السعادة في طاعة الله، وانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : «هو مني وأنا منه»؛ أي على هديي وسنتي وطريقتي، وهذا إيماءٌ من النبي صلى الله عليه وسلم أن جليبيبا قتل شهيدًا، وهو بإذن الله من أهل الجنة؛ فهذه السعادة الحقيقية .

ترك الغناء فعوضه الله الهدايه والإيمان اسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يردنا إلي دينه ردا جميلا  والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات