الفتاوى

فتاوى مجمع البحوث

قضاء الدين مقدم على أداء الشعيرة

إعداد: أحمد صدِّيق
 
الحج عن الآباء واجب.. عند المقدرة
 يقول ح. م- من القاهرة-: مات والدي وكان ميسور الحال قادرا على الحج، لكنه لم يحج، فماذا على أهله أن يفعلوا بعد وفاته؟
 
** جاء التشديد في أمر الحج؛ فقال الله تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)، وفي قوله تعالى: ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )؛ إشارة إلى أن الأصل في المسلم أنه لا يترك الحج مع القدرة عليه؛ وقد اعتبر العلامة ابن حجر المكي ترك الحج مع القدرة عليه إلى الموت من كبائر الذنوب.
أما عن الذي يجب على أهله: فإنه يجب على ورثته الحج عنه من ماله إن ترك مالاً، ويخرج من ماله ما يحج به عنه قبل توزيع التركة على الورثة، لأن دين الله أحق بالقضاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل في الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِي قَدْ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاقْضِ اللَّهَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ».
وروى البخاري أيضا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ »، قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: «اقْضُوا اللَّهَ الَّذِي لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ».
 
الحج بالتقسيط!
يقول فتحى أحمد- من السويس-: بعض الناس يقترض ليحج، أو يتفق مع بعض الشركات التي تتيح الحج بالتقسيط، فهل هذا صحيح؟
** من شروط وجوب الحج: الاستطاعة، ولا يكلف الإنسان بالاستدانة للحج؛ ولا يستحب له أن يفعل ذلك، لأنه ليس مستطيعا، وربما انقضى الأجل ولازال عليه جزء من دين الحج، فقد روى عن طارق بن عبدالرحمن قال: سمعت ابن أبي أوفى يسأل عن الرجل يستقرض ويحج؟ قال: يسترزق الله ولا يحج.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: ” وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ سَعَةٌ يَحُجُّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ فَهُوَ لا يَجِدُ السَّبِيلَ”.
ومع ذلك لو اتفق إنسان مع بعض الشركات التي تتيح الحج بالتقسيط، ووثق من نفسه أداء الدين، صح حجه يقول الخطيب الشربيني الشافعي: “إنَّمَا يَجُوزُ الِاقْتِرَاضُ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى الْوَفَاءِ “. ويقول الحطاب المالكي: “من لا يمكنه الوصول إلى مكة إلا بأن يستدين مالا في ذمته ولا جهة وفاء له فإن الحج لا يجب عليه لعدم استطاعته، وهذا متفق عليه وأما من له جهة وفاء فهو مستطيع إذا كان في تلك الجهة ما يمكنه به “.
 
قضاء الدين مقدم على أداء الشعيرة
يقول م. ق- من الجيزة-: علَيّ ديون كثيرة، وعندي مال أرغب في الحج به، فهل هذا جائز؟
** من كان عليه دين، وماله لا يتسع للأمرين- الحج وقضاء الدين- فإنه يبدأ بقضاء الدين ولا يجب عليه الحج، غير أنه لو حج صح حجه، إلا أنه أساء بتأخير سداد الدين عن وقته.
وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم على خطورة أمر الدين، فعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ».
وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ »، قَالُوا: لاَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ »، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، قَالَ: أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ.
 
الإحرام بالحج قبل أشهره
يسأل محمد السيد- من بنى سويف-: ما حكم الإحرام بالحج قبل أشهره؟
** اختلف الفقهاء في الإحرام بالحج قبل دخول أشهره، فذهب الجمهور من الحنفية والمالكية، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد إلى أن الإحرام بالحج قبل أشهره ينعقد ويبقى محرماً بالحج، إلا أنه يكره له أن يحرم بالحج قبل أشهره .
وذهب الشافعية إلى أن الإحرام بالحج قبل أشهره يتحول إلى عمرة، ولا ينعقد حجا.
والراجح مذهب الجمهور: وهو جواز تقديم الإحرام بالحج على أشهره مع الكراهة، والفرق بين الإحرام في الحج، والإحرام في الصلاة، أن أفعال الحج لا تتصل بالإحرام به كما في الصلاة .
 
 صلاة العيد بدون التكبيرات!
ما الحكم ما لو نسى الإمام بعض التكبيرات في صلاة العيدين؟
** إذا نسي الإمام بعض التكبيرات ففيه تفصيل
فإن تذكرها في الركوع أو بعده لم يعدها
بلا خلاف لأنَّها سُنَّةٌ فات محلُّها، ومحلُّها عقبَ تكبيرةِ الإحرامِ قبلَ القِراءةِ، وإن تذكرها بعد القراءة وقبل الركوع، وكذلك لو تذكرها في أثناء قراءته للفاتحة فالراجح أنه لا يكبِّر لفوات محله، فإن محله عقب تكبيرة الإحرام.
 
الركعة الفائتة
ماذا أفعل لو فاتتني الركعة الأولى فى صلاة العيد؟
 ** اعلم أيها السائل الكريم أن صلاة العيد سنة مؤكدة كما هو مذهب جمهور العلماء، وذهب بعض المفسرين أن المقصود بالصلاة فى قوله تعالى “قد أفلح من تزكى* وذكر اسم ربه فصلى” أنها صلاة عيد الفطر، وفى قوله تعالى  فصلِّ لربك وانحر” أنها صلاة عيد الأضحى.
فإذا فاتتك الركعة الأولى من صلاة العيد وأدركت مع الإمام الركعة الثانية فاعلم أنها فى حقك أنت هى الركعة الأولى وعليك بعد أن يسلم الإمام أن تأتى بالركعة الثانية وتكبِّر فيها خمس تكبيرات وذلك هو مذهب الجمهور فى صلاة المسبوق، عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم “إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتموا” متفق عليه، والله أعلم.
 
صلاة العيد منفردا
ما حكم صلاة العيد منفردا؟
** ثبت التشديد في أمر صلاة العيدين، فقد روى البخاري ومسلم، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْها- قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاةَ وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِحْدَانَا لا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ! قَالَ: لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا.
والْعَوَاتِق: هِيَ مَنْ بَلَغَتْ الْحُلُم أَوْ قَارَبَتْ، أَوْ اِسْتَحَقَّتْ التَّزْوِيج. وَذَوَات الْخُدُور هن الأبكار.
ولهذا فقد ذهب الحنفية، وهو رواية عند الحنابلة إلى أن صلاة العيدين واجبة على كل من تجب عليه صلاة الجمعة، لكن الراجح أنها سنة مؤكدة كما قال المالكية والشافعية، مستدلِّين بما رواه البخاري ومسلم من حديث طلحة بن عبيدالله يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُهُ عَنِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ». قالوا: فلو كانت صلاة العيد واجبة لبيّنها له رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولهذا فلا ينبغي لمن وجبت عليه صلاة العيدين أن يتركها أو يتهاون في شأنها، فإن فاتته فعليه أن يصليها ركعتين، ويكبِّر فيهما التكبيرات الزوائد سبعا في الأولى وخمسا في الثانية، كم ثبت ذلك عن سيدنا أنس بن مالك، هذا والله أعلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات