الفتاوى

بين القراء والعلماء

 

د عبد العزبز فرج محمد موسي
د عبد العزبز فرج محمد موسي
 إعداد: أحمد صديق 
أسئلة عديدة وصلت لبريد عقيدتى عن الحج عرضناها على د. عبدالعزيز فرج محمد موسى- استاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، ورئيس قسم الشريعة الإسلامية بأكاديمية شرطة دبى- وكانت هذه إجاباته:

للحج مواقيت
يسأل السيد محمد- من قنا-: متى يصح الإحرام بالحج؟ وما الحكم لو وقع إحرامه بالحج قبل أشهر الحج، كأن ينوي الحج في رمضان؟
** الحج له ميقات زماني أشار الله- عزَّ وجلَّ- إليه بقوله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} هذه الأشهر قمرية لا شمسية بإجماع العلماء- رحمة الله عليهم-ويبتدئ موسم الحج الزماني بثبوت عيد الفطر، فإذا ثبت أن الليلة عيد الفطر فحينئذ تبتدئ هذه الشهور فأولها أول يوم من شوال وهو يوم عيد الفطر، فلو أحرم ليلة عيد الفطر بالحج، وقال: لبيك حجة، فإنه يصح وينعقد إحرامه وهكذا لو تمتع فيها، أما لو أحرم قبل ليلة العيد، وهي مسألة مشهورة عند العلماء من أوقع الإحرام قبل أشهر الحج فللعلماء قولان: منهم من يقول: لا ينعقد حجه وهو مذهب الشافعية والظاهرية، رحمة الله على الجميع.
ومنهم من يقول: ينعقد حجه وهو آثم إذا كان عالماً وهو مذهب الجمهور.
والصحيح مذهب الشافعية والظاهرية أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج وأنه لا ينعقد إحرامه عن الحج؛ لأن الله- تعالى- يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ولا فائدة من هذا إلا تخصيص الحكم بها، ولأنه كما لا يصح إيقاع الظهر قبل زوال الشمس لا يصح إيقاع الحج قبل زمانه المعتبر، فأزمنة العبادات مؤقتة لا يصح إيقاعها قبل هذا الزمان المؤقت، لأننا لو قلنا يصح لذهبت فائدة التخصيص بهذا الزمان، وعلى ذلك فإنه لا ينعقد إحرامه بالحج.
لكن إذا قلنا بقول الشافعية والظاهرية لا ينعقد إحرامه بالحج، فما الحكم في هذه التلبية التي نواها بحجه؟ لهم قولان، قال الظاهرية: تفسد تلبيته ويفسد إحرامه بالكلية فلا حج له ولا عمرة.
قال الشافعية: ينقلب إحرامه من الحج إلى العمرة وهذا هو الصحيح؛ لأنه إذا بطل الحج ينفسخ إلى عمرة وقد فسخ النبي- صلى الله عليه وسلم- الحج إلى عمرة، ولذلك ينعقد إحرامه عمرة لا حجة، والله تعالى أعلا أعلم.
 
التمتّع بالعمرة مع الحج
يقول فتحى على- من سوهاج-: شخص أحرم بالعمرة في آخر رمضان، ثم أتمَّها في يوم العيد أو بعده، ثم حج من عامه، فهل يصير متمتعاً؟
** هذه مسألة خلافية في المتمتع، لو أنك أردت أن تتمتع بعمرتك إلى الحج ونويت العمرة في آخر يوم من رمضان، ومضيت وغابت شمس آخر يوم من رمضان، فدخلت عليك ليلة العيد الفطر فاختلف العلماء.
قال بعضهم: العبرة بالنية فإذا كانت نيته في ليلة عيد الفطر صحت عمرته تمتعاً وإن كانت نيته قبل ليلة عيد الفطر فإن عمرته ليست بتمتع فلو حج من عامه ليس بمتمتع إلا أن يأتي بعمرة ثانية في أشهر الحج وهذا مذهب الظاهرية .
القول الثاني: العبرة بالدخول إلى مكة، وهو قول بعض السلف قالوا: إذا دخلها قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فإنه حينئذ لا يعتبر متمتعاً وإن دخلها بعد الغروب فهو متمتع وهو قول عطاء ومن وافقه من السلف .
القول الثالث: العبرة ببداية الطواف، فإن ابتدأ طوافه قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان فهو ليس بمتمتع وإن ابتدأه بعد الغروب فهو متمتع وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
والقول الرابع: أن العبرة بأكثر الطواف فإن طاف أربعة أشواط قبل غروب الشمس فهو ليس بمتمتع وإن طاف الأربعة بعد غروب الشمس فإنه متمتع وهو للحنفية.
القول الخامس والأخير: العبرة بالتحلل، وهو للمالكية.
وأصح هذه الأقوال وأقواها: أن العبرة بالطواف فإن ابتدأ طوافه قبل غروب الشمس وقعت عمرته لأن الطواف هو الركن فكأنه أوقع أركان العمرة في الأشهر المعتد بها فحينئذ يكون متمتعاً وإن وقع قبل غروب الشمس فليس بمتمتع، والله أعلم.
 
 
 الأداء عن الأُمِّ مُقدَّم على الأبّ
يسأل على أحمد- من الجيزة إذا توفي الوالدان ولم يحجا ولم يعتمرا وأردت أن أحج عنهما وأعتمر، فهل أبدأ بالوالد أو الوالدة ،وما الدليل؟
** تبدأ بالوالدة؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- عظَّم حقها، فقال لما سأله الصحابي: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: ((أمك)) قال: ثم من؟ قال: ((أمك)) قال: ثم من؟ قال: ((أمك)) قال: ثم من؟ قال: ((أبوك)).
قال العلماء: في هذا دليل على أن حق الأم آكد من حق الأب، حتى إن بعض العلماء قال: إذا تعارض بر الوالد والوالدة يُقدم بر الوالدة على الوالد؛ وذلك لأن النص دل على أنها أحق بحسن الصحبة وهي أولى، وحينئذ تبدأ بأمك ثم بعد ذلك تثني بأبيك، والله أعلم.
 
 ليس من حق الزوج منع أداء الفريضة
تسأل ق. م- من السويس- هل من حق الزوج أن يمنع زوجته من حج الفرض وعمرة الفرض إذا أرادت القيام بهما مع محرمها، وإذا لم يكن من حقه ذلك فهل إذا منعها وخرجت مع محرمها تعتبر عاصية آثمة؟
** ليس من حق الزوج أن يمنع زوجته من حج الفريضة فهذا حق الله- عز وجل- الذي هو فوق الحقوق كلها، ولذلك يعتبر آثماً شرعاً؛ لأنه أمر بالمنكر ونهى عن المعروف فليس من حقه أن يمنع الزوجة وليس له عليها سلطان في هذا؛ ولكن استثنى العلماء- رحمة الله عليهم- أن تكون تلك الحجة فيها مفسدة أو فتنة عظيمة لا يستطيع أن يحج معها ولا يوجد محرم يستطيع أن يحفظها من الفساد فهذه حالة مستثناه أما ما عدا ذلك فإنه لا يجوز له أن يمنعها وحينئذ إذا حجَّت مع محرمها فإنها مأجورة غير مأزورة وليس من حقه أن يمنعها من حق الله- سبحانه- وفي الصحيح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))، والله أعلم.
 
لا قضاء على المُتوفَّى أثناء الإحرام
يسأل محمد رمضان- من البحيرة- إذا مات المحرم بالحج أو العمرة أثناء الحج والعمرة وكانت فريضة عليه، فهل يلزمنا أن نقضي الحج والعمرة عنه ،وما الدليل؟
** للعلماء قولان في هذه المسألة، منهم من يرى أنه لو مات الحاج أو المعتمر أثناء حجه وعمرته لا يلزمنا إتمام ما شرع فيه ولا يقضى عنه ذلك الحج ولا تلك العمرة، وهذا هو المذهب الصحيح على ظاهر حديث عبدالله بن عباس، أن النبي- صلى الله عليه وسلم- وقف في حجّة الوداع ووقف معه الصحابة، فوقف رجل فوقصته دابته فمات، فقال- صلى الله عليه وسلم-: ((اغسلوه بماء وسدر وكفّنوه في ثوبيه ولا تُخَمِّروا وجهه ولا تغطّوا رأسه ولا تمسّوه بطيب فإنه يُبعث يوم القيامة مُلبّياً)) ولم يقل النبي: اقضوا حجه أو أتموا حجه. وهذا يدل على أن الواجب هو ما ذكر وأن ما زاد على ذلك فليس بواجب ولأنه قد قام بفرضه فأدى ما أوجب الله عليه وانتهت حياته عند هذا القدر، وعلى ذلك لا يجب أن يتم عنه ولا أن يحج عنه وإن حج عنه احتياطاً فلا حرج، والله أعلم.
 
الحج بدون مِحْرِم
تسأل ف. ع- من المنيا- إذا حجّت المرأة بدون محرم فما الحكم ؟ وهل يصح حجها أو لا يصح ؟
** إذا حجَّت المرأة بدون محرم فللعلماء قولان: الأول: جمهور العلماء أنها آثمة وحجها صحيح.
والثاني: ذهب طائفة من السلف إلى أنها آثمة وحجها فاسد لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه.
والصحيح أن حجها صحيح؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: ((من صلَّى صلاتنا هذه ووقف موقفنا هذا وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجّه وقضى تفثه)) فجعل الأركان والشرائط معتبرة للحكم بصحة العبادة دون نظر إلى الإخلال، والله أعلم.
 
الحج عن المُتوفَّى القادر!
يسأل محمد محمود- من السويس- إذا توفي الإنسان ولم يحج، مع أنه كان قادراً على الحج في حياته، فما الحكم؟ وإذا قلنا بوجوب الحج عنه، فهل يُحرِم من يحج عنه من ميقاته أو من ميقات الميت؟
** من كان قادراً على الحج ولم يحج فإنه آثم، كره الله انبعاثه فثبطه وقيل اقعدوا مع القاعدين، كره الله أن يراه في هذه الجموع المؤمنة ولو كان عبداً صالحاً موفقاً لما تقاعس عن واجب الله-جل وعلا- وفريضته، فإن الله يبتلي الإنسان بماله ويبتليه بأهله وأولاده فيكره الخروج في طاعة الله وما فرض الله عليه فيجعل الله ماله شؤماً عليه ويجعل ذريته وأولاده بلاءً عليه، وهذه هي فتنة الأموال والأولاد فمن فعل ذلك فقد أثم واعتدى حد الله- عز وجل- بترك هذه الفريضة، فيجب على من استطاع الحج إلى بيت الله الحرام ولم يكن معذوراً أن يبادر بالحج وأن يقوم بفريضة الله-جل وعلا- عليه.
أما بالنسبة لو مات ولم يحج فإنه آثم، ثم يجب على ورثته أن يقوموا بالحج عنه يحججوا أو يخُرجوا من تركته ما يحج به عنه فإن وُجِد متبرع بدون مال فلا إشكال، وإن لم يوجد متبرع فإنهم يستأجرون من يقوم بهذا الحج على وجهه ويعتبر هذا من الديون التي تقضى قبل قسمة التركة فيؤخذ من ماله على قدر الحج عنه قبل أن تقسم التركة؛ لأن الله قال في قسمة المواريث: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} فلما قال: {أَوْ دَيْنٍ} أطلق وقد سمى النبي- صلى الله عليه وسلم- حق الله ديناً فقال للمرأة: ((أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته)) قالت: نعم، قال: ((فدين الله أحق أن يقضى)).
فمن مات وهو قادر على الحج ولم يحج فإنه يحج عنه من ماله ويخرج من ماله على قدر نفقة الحاج عنه.
 
ميقات “الوكيل”!
ثم السؤال لو أن الميت كان في المدينة ومن أراد أن يحج عنه بجدة فهل يكون إحرام الذي يريد أن يحج وهو الوكيل من ميقاته وهي جدة أو من ميقات من يقوم مقامه وهو الميت- أعني المدينة-؟
** هذا فيه تفصيل: إن كان الميت قد قصر في الحج فقد وجب عليه الحج من ميقاته وعلى الوكيل أن يحرم من ميقات الميت، وبناءً على ذلك فلابد وأن يحج عنه من ميقاته.
أما في حجج النوافل والتي لا وجوب فيها فإنه يحج الوكيل من أي مكان، والله أعلم.
 
التوكيل بسبب العجز 
يسأل منصور السيد- من المحلة الكبرى- لو كان الرجل أو المرأة عاجزين عن الحج بنفسيهما للمرض ونحوه ولكنهما يستطيعان التوكيل بالمال ،فهل يجب عليهما أن يوكلا؟
** من كان عاجزاً عن الحج وعنده مال يستطيع أن يحجج به الغير فلا يخلو من حالتين: الأولى: إما أن يكون عجزه مؤقتاً.
والثانية: أن يكون عجزه مستديماً.
العجز المؤقت كالمرض الذي يتأقّت بالشهور ويُرجى زواله أو بالسنوات ويُرجى زواله فهذا ينتظر إلى أن يكتب الله له الشفاء والعافية، يسقط عنه الحج حال العجز ويجب عليه بعد القدرة ثم يحج بعد شفائه وقوته وقدرته فلو حجج الغير في حال عجزه ثم بعد ذلك قدر فإن حج الغير لا يجزيه لأنه لا يصح منه التوكيل على هذا الوجه.
والحالة الثانية: أما إذا كان عجزه مستديماً كإنسان عاجز لكبر أو معه مرض لا يمكن معه أن يقوم بالحج ولا أن يؤدي أركانه فإنه في هذه الحالة يُنتَقَل إلى القدرة بالمال فإذا قدر على أن يستأجر من يحج عنه وجب عليه أن يحجج عن نفسه سواء كان رجلاً أو كانت امرأة، والله أعلم.
 
 المديون “مُعْفَى”!
يسأل على متولى- من البحر الاحمر- هل يجب الحج على المديون؟
** فرض الله الحج إلى بيته الحرام على من استطاع إلى البيت سبيلاً ولازم ذلك وجود الزاد، ومن كان مديوناً فإنه لا يقدر لأنه محاط بالدين فإذا كان الدين يستغرق ماله فإنه لا يملك الزاد، وعلى هذا فلا يجب الحج على مديون استغرق الدين ماله أو كان عليه دين لا يستطيع وفاءه، واستثنى بعض العلماء أقساط الدين فقالوا: إذا كان الدين مقسطاً على أنجم وأدى آخر نجم وهو نجم ذي القعدة فلا حرج عليه أن يحج، والله أعلم.
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات