sliderالرأى

الرسول وتحويل القبلة

بقلم..د: وفاء عبد السلام

شهدت ليلة النصف من شعبان في السنة الثانية للهجرة حدثاً في غاية الأهمية في تاريخ الأمة الإسلامية وهو تحويل القبلة

من المسجد الأقصى في القدس الشريف إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة.

حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استمر ستة عشر أوسبعة عشر شهراً يصلي إلى بيت المقدس وكان يحب قبلة

أبيه سيدنا إبراهيم، كما كان يقلب بصره في السماء ويتمنى ذلك.

بيت المقدس

كما يقول الله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ…)،

وبلا شك فإن حادث تغيير القبلة حادث عظيم ولهذا سجله القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة

فسيدنا البراء يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت الحرام.

وأنه صلى أول صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم

فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي قبل مكة المكرمة فداروا كما هم قبل البيت

الحرام.

الشرائع السماوية

وأظهر بعض المسلمين القلق على من لم يكتب الله له شرف الصلاة إلى الكعبة ممن مات قبلهم، وخافوا من حبوط أعمالهم،

وقالوا : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله : (… وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ…).

ولتحويل القبلة دلالات ومن أهم هذه الدلالات ترابط الشرائع السماوية وتكاملها لأن شريعة الإسلام جعلت من بيت المقدس

الذي هو قبلة الأنبياء السابقين وأممهم قبلة أولى لأمة النبي صلى الله عليه وسلم،

ثم شاء الله أن يولوا وجوههم شطر المسجد الحرام الذي رفع قواعده سيدنا إبراهيم وساعده سيدنا إسماعيل عليهما السلام.

دلالات تحويل القبلة

ومن دلالات تحويل القبلة أيضا إرضاء الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وتحقيق رغبته والاستجابة له ويسير ذلك في إطار وعد الله للنبي بأنه سيعطيه حتى يرضى

كما قال سبحانه وتعالى في سورة الضحى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)، كذلك فإن تحويل القبلة إلى البيت الحرام جاء لأن به الكعبة المشرفة رمز الأمن والأمان منذ آدم وحتى يوم القيامة.

وكذلك من دلالاتها إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أخبر الله تبارك وتعالى بما سيقوله اليهود عند تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، قبل وقوع الأمر بالتحويل، ولهذا دلالته فهو يدل على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذ هو أمر غيبي، فأخبر عنه  صلى الله عليه وسلم بآيات قرآنية قبل وقوعه

ثم وقع وفي ذلك يقول الله تعالى: { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }.

المسجد الأقصى

وأن الله تعالى عندما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى المسجد الأقصى إنما كان يريد أن يظهر للناس أن النبي لم يكن بدعا من الرسل وإنما كان واحداً من الأنبياء مرسل للتأكيد على وحدانية الله تعالى

والدليل أن وجهته هي وجهة الأنبياء من قبله وبعد أن استقر هذا المعنى في أذهان الناس أمر الله رسوله والمسلمين أن يتوجهوا في صلاتهم للمسجد الحرام

وكان في هذا التوجيه الجديد استقامة للأمر الذي سيظل معمولاً به إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وفي هذا رمز إلى أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد جاء بما تحتاج إليه الإنسانية هو الكتاب الذي يمثل الكلمة الأخيرة لله في الكون.

وبهذا جمع الإسلام ما تفرق على ألسنة الرسل وهكذا يفهم حادث تحويل القبلة من بيت المقدس للمسجد الحرام، كما يفهم المغزى العظيم لوحدة الرسل في الدعوة إلى التوحيد بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه إلى المسجد الأقصى طوال سبعة عشر شهراً.

السمع والطاعة

كما كان تحويل القبلة اختبارا وتربية للصحابة على السمع والطاعة، والتسليم لله ورسوله،

كما قال تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } .

وتربية لنا جميعا علي التسليم والاتباع التام لله والرسول فالله سبحانه لا يأمر العباد إلا بما فيه مصلحة لهم ولا ينهاهم إلا عما فيه مضرة عليهم وتشريعاته سبحانه جميعها لحكمةٍ يعلمها سبحانه وإن لم نعلمها

كما قال تعالى : {ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. والله تعالى يبتلي من شاء من عباده بما يشاء من الأحوال ، فأما من كان من أهل الإيمان فسيقول سمعنا وأطعنا، وأما أهل الزيغ فسيقولون سمعنا وعصينا.

والمسلمون يتعلمون من وحدة القبلة، وحدة الأمة في الهدف والغاية، وأن الوحدة والاتحاد ضرورة في كل شئون حياتهم الدينية والدنيوية.

بناء كبير

فالمسلمون في الشرق والغرب يتجهون في الصلوات الخمس اليومية، وفي فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، رغم اختلاف

الألسنة والجنسيات والألوان، يجمعهم الدين الإسلامي الحنيف،

وهذا ليعلم المسلم أنه لبنة في بناء كبير واحد مرصوص، وفي الحديث:”المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا”.

اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تحسن بها الأخلاق وتيسر بها الأرزاق وتدفع بها المشاق

من يوم خلق الله الكون إلى يوم التلاق ياعزيز ياخلاق.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات