الرأى

شهداء العشق الإلهي.. الحسين بن منصور الحلاج (٢)

بقلم: خالد الشناوي.. باحث في الدراسات الفكرية والسياسية

الصوفيُّ الأكثر إثارةً للجدل في التاريخ الإسلامي، والأعمق أثرًا.فكان وسيظلُّ «الحلاج» نموذجًا لافتًا في تاريخ الإنسانية، يقف

أمامه الكثيرون من الباحثين عن معنى الحب الإلهي، والمتأملين في فلسفته التي تُعدُّ صفحةً مشرقةً من

صفحات التراث الإنسانيِّ.

بأي همة وجدانية جاد هذا العاشق الجسور برأسه كيما يظفر بجوهرة الجمال الإلهية؟!

مرتفعا بحبه وعشقه إلى حضرة أفق البهاء المقدس، وإلى معارج البطولة الخارقة لكل نواميس الكون والطبيعة!

فكان الحلاج  بطلا لملحمة الخلود الكبرى بل ورائدا لسفينة العشق الإلهي.

ولد الحسين بن منصور الحلاج  في السادس والعشرين من مارس عام 244 هجرية في قرية الطور في مدينة البيضاء في فارس؛ وبعد ولادته اضطربت أحوال والده المادية، فرحل إلى مدينة واسط في العراق، وهي المدينة التي بناها الحجاج بن يوسف الثقفي، وكانت من أعظم مناطق النسيج في الدولة العباسية، ويُقال أن تسميته ترجع إلى أن والده كان يعمل بالنسيج ولهذا سُمّيَ الحلاج؛ بينما قال ابن كثير أن والده ساعد رجل من واسط في حلج قطنه.

وعندما عاد الرجل وجد أن كل قطنه محلوجًا وكان أربعة وعشرين ألف رطل فذهل الرجل وأطلق اسم الحلاج على الحسين بن منصور؛ وكذلك أورد رواية أخرى هي أن أهل الأهواز أطلقوا عليه هذه التسمية لأنه كان يُكاشفهم بما في قلوبهم فسموه حلاج الأسرار.

إلى سدرة العلياء

(فلا أين ولا بين حتى تقع العين على العين)

حيث يغشى القلب هناك ما يغشى من أذواق وهبات ومعرفة وتجليات

مكانك من قلبي هو القلب كله ..

فليس لخلقِِ في مكانك موضعُ

و حطتك روحي بين جلدي و أعظمي ..

فكيف تراني إن فقدتك أصنعُ؟

كانت كلمات الحلاج شهيد الحضرة ونديم سرها في حضرة الاطلاق

مثيرة لشفقة من حوله من أكابر العارفين وكان نصحهم له بالكتمان …

فقال له الجنيد ذات يوم في صحن الكعبة بعدما نام الحلاج واضعا رأسه في حجره مداعبا خصلات شعره أسفل عمامته الكبيرة :

احفظ هذا الرأس وعليك بالكتمان خوفا من سل سيف الشريعة ممن لا يدركون ولا يفقهون حديثا!

وبنظرات غائرة وبعيدة إلى ما خلف الأكوان والطبيعة كانت تمتمات الحلاج بصوت بلغ به العشق مداه ومنتهاه:

ما في الجبة غير الله !

في حالة من الوجد جعلت هذا الجسد الهزيل يدور في فناء الكعبة دوران عاشق كريشة تحركها الرياح وتدور بها في

أرض فلاة !

والكل يشاهد والجنيد يبكي شفقة على امام تستعد سيوف الغدر والوشاية أن تطيح برأسه في ظل تقلبات من الأحداث عاتية !

فكانت حالة من الفناء المطلق وكانت صيحة شهيد الولاية

أنا الله … أنا الله … أنا الله

فتحرك الوشاة نيلا من قطب كبير زعما منهم أنه ينسب الإلوهية إلى نفسه !

وما كان للامام المفترى عليه أن يقصد ذلك … فكيف وهو سادن على بحري التشريع والتحقيق ؟

عالم جليل لا يشق له غبار وعارف بالله كبير  أبحر في عالم الحقيقة فكان فناؤه المطلق عن كل ما سوى الله تعالى

فحين صاح: (أنا الله)

لم يقصد سوى الفناء عن كل شئ غير الله بداخله …أي انه فنى عن حوله وقوته إلى حول الله وقوته

فلم يعد هناك بداخله غير الله !

فصوت الحق بباطنه هو الأعلى والغالب والمنتصر فلا صوت يضاهيه ويحاكيه ويشابهه !

مكانك من قلبي هو القلب كله .. فليس لخلقِِ في مكانك موضعُ

و حطتك روحي بين جلدي و أعظمي .. فكيف تراني إن فقدتك أصنعُ؟

وما أكثر من ينادون بالتوحيد وهم بعيدون عن التجريد فأضحى توحيدهم موحولا بعللهم القلبية والروحية !

حين سئل الجنيد عن الحلاج قال:

هو رحمه الله سكران ولو أفاق من سكره لجاء منه ما ينتفع به،

فقد وقف الجنيد فى تاريخ التصوف  موقف التوفيق بين الحقيقة والشريعة،

وحاول أن ينظم المذهب الصوفى ويطوره حتى استحق لقب سيد الطائفة، وانتهت جهوده فى ذلك إلى أنه لا مجافاة بين التصوف والشريعة».

إن عالم الولايه الخاصه هو عالم الحقائق الباطنه .

وهو عالم الاسرار المكنونه والعطايا المخصوصه ولذلك ستره الحق تعالى عن عامه الخليقه

لأن العقول المعقوله والنفوس المصفده والقلوب المحجوبه تعجز عن ادراك كنه الحقائق وتكل عن استشراف الأنوار ودقائق المعانى والأسرار

فاستأثر الحق تعالى بأوليائه وضن بمعرفه أقدارهم وحقائقهم عن الخلق ووسمهم النبى صلى الله عليه وسلم بالضنائن

فيما وراه الطبرانى وابو نعيم عن الإمام ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى  صلى الله عليه وآله وسلم قال:

( إن لله تعالى ضنائن من خلقه يغذوهم فى رحمته يحييهم فى عافيه ويميتهم فى عافيه واذا توفاهم توفاهم الى جنته

أولئك الذين تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم وهم منها فى عافيه ).

فالتصوف عند الحلاج سبيل لإحقاق الحق، وليس مسلكاً فردياً بين المتصوف والخالق فقط.

ولم يسلم الإمام الشهيد من الدسائس عليه بعد وفاته كما لم يسلم منها في حياته من علماء الدراهم والسلطان !

فهؤلاء فقههم فقه الريال لا فقه الرجال وذهبت دنياهم وذهب الحلاج للقاء ربه جل في علاه بعد أن سالت دماؤه الطاهرة شاهدة على المكر والوشاية والخديعة بعد أن سطرت بأحرف من نور أسمى آيات الخلود والبقاء …فبقى الحلاج في قلوب مريديه جيلا بعد جيل وذهب باغضيه إلى مزبلة التاريخ !

لقد طور الحلاج النظرة العامة إلى التصوف، فجعله جهاداً ضد الظلم والطغيان في النفس والمجتمع ونظراً لما لتلك الدعوة من تأثير على السلطة السياسية الحاكمة في حينه. عن إبراهيم بن عمران النيلي أنه قال: « سمعت الحلاج يقول:

النقطة أصل كل خط، والخط كلّه نقط مجتمعة. فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط. وكل خط مستقيم أو منحرف

هو متحرك عن النقطة بعينها، وكلّ ما يقع عليه بصره

وبعد أن قال الوشاة كلمتهم وتحققت مآربهم في تصفية حساباتهم مع الإمام المفترى عليه

جيء بالحلاّج ليصلب، ورأى الخشب والمسامير “فضحك كثيرًا حتّى دمعت عيناه”

ثمّ التفت إلى القوم طالبًا سجادة ليفرشوها له، فصلّى ركعتين وتلا آيات من القرآن الكريم.

فقيل له وهو مصلوب:

قل لا إله إلاّ الله. فقال:

إنّ بيتًا أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج!

قال ابن الخفيف:بعد مقتل الحلاج رجعت إلى شيراز مهموما متحيرا في أمره مدة من الزمن حوالي أربعين يوما!

فرأيت كأن القيامة قامت والناس في الحساب وأنا أقول إلهي وسيدي :الحسين ابن منصور الحلاج ولي من أوليائك سلطت عليه خلقك!

فنوديت علمته اسما من أسمائي يدعو به الخلق فباح بسري بين خلقي فلسطتهم عليه!

قيل أنه لم يتألم، ولم يصرخ، بل توضأ بدمه، لما قطعوا أطرافه، فسألوه عما يفعل، وأجابهم:

“ركعتان في العشق، لا يجوز وضوؤهما إلا بالدم”.

وبعد؛؛؛؛مات الحلاج مصلوبا …..أما صليبه وخشبته فستظل إلى حين مجال خلاف .. لكنه يبقى كسائر الشهداء حيّ …..

فالحلاج قوام الليل صوام النهار .. البكاء المناجي … المرتعد خوفا وفرقا من خالقه .. وجه لم يشهده الكثيرون

وتبقى أقوال الحلاج وسيرته … هي ما تبقى له عندنا في دارنا .. وحيث أنه هناك .. وأننا مازلنــــــــــا هنا ..

وجب علينا أن يكون له عندنا حظٌ من العناية والتدقيق .. فأما حسابه فعند ربه .. وأما عشقه فعدوى نحب أن يصيبنا منها نصيب!

مقالات ذات صلة

6 thoughts on “شهداء العشق الإلهي.. الحسين بن منصور الحلاج (٢)”

  1. دوام التوفيق والنجاح والسداد معالي الدكتور الكاتب والمفكر الكبير خالد بك الشناوي سلمت اناملك وكل عام وانتم بخير

  2. قدس الله سرك مولانا الحلاج شهيد العشق الإلهي
    سلمت يداك مولانا الكاتب و المفكر الكبير مولانا السيد خالد الشناوي
    زادك الله نور على نور

  3. الله الله الله رضي الله عن القطب الكبير سيدي الحسين بن منصور الحلاج ونفعنا بمعارفه وعشقه في الدنيا والآخرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات