sliderالرأىرمضان

الصيام وصحة الأبدان

بقلم: الشيخ رسمي عجلان

إن صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان، فالضرورات الدنيوية تبيح المحذورات الدينية، لذا كان من مقاصد الشرعية للصيام

العناية بصحة الإنسان جسدياً وروحيةً، وكما قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: (إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا،

فنظام الدين بالمعرفة والعبادة، ولا يتوصل إليهما – الإنسان – إلا بصحة البدن، وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات – الضرورية –

من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن، فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية) .(الاقتصاد في

الاعتقاد للإمام الغزالي صـ 135). من هنا نجد توجهات سيد الأنام للصائمين كلها تحافظ على صحتهم

الجسدية والنفسية فمثلاً:

1- يبدأ الصيام بوجبة السحور:

ومن السنة تأخير السحور إلى ما قبل الفجر بمقدار نصف ساعة، أو مقدار قراءة خمسين آية كما جاء في الصحيحين: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور)، وكذلك ترغيب النبي (r) في تناول وجبة السحور ولو بجرعة ماء فقال (r): (السحور أكلة بركة فلا تدعوها ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين) (مسند أحمد)، لأن هذا يصلح جسد الصائم طوال نهاره، لأن عدم تناول السحور قد يؤدي إلى إرهاق جسد الصائم وقد يصاب بالإعياء الشديد، وهذا منافٍ لمقاصد الصيام الشرعية التي تدعو لحفظ البدن بالسحور وحفظ النفس بصلاة الله وملائكته على المتسحرين.

2- تعجيل الفطور:

تظهر أهمية تعجيل الفطر في العناية بالصحة العامة للإنسان، وقد قال فيها النبي (صلى الله عليه وسلم): (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)، ويكون قبل صلاة المغرب ليقلل مدة الصيام ويزود الجسم بالسكريات والماء اللازمة لترطيبه وإعادة إليه حيويته ونشاطه، لذا كان من سنة النبي أنه كان يفطر على تمر وماء أو لبن.

3- عدم الوصال في الصيام:

أي وصال النهار بالليل من غير طعام أو شراب، وفي الصحيحين ما يشهد بذلك ويعضد هذا، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: [نهي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصـل يا رسول الله – أي في الصيام – فقال: وأيكم مثلي؟ إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني – فلمَ أَبو أن ينتهوا عن الوصال – واصل بهم النبي (صلى الله عليه وسلم) يوماً ثم يوماً ثم رأى الهلال، فقال: لو تأخر – أي الهلال – لزدتكم] (متفق عليه)،

وعندما رأي الرجل الذي صام عام بأكمله وقد ظهر آثار الصيام عليه في نحالة جسده ودخول عينيه في وجهه فقال (صلى الله عليه وسلم) له: (من أمرك أن تعذب نفسك) (ابن ماجه)، وهذا دليل على حرص الإسلام على قوام الأبدان وسلامتها من الأمراض والحفاظ على نضرتها وقوتها، وأن خصية الوصال في الصيام خاصة برسول الله (صلى الله عليه وسلم).

4- الإفطار على تمر وماء من سنن الصيام:

أجمع العلماء أن من آداب الصيام الإفطار على التمر والماء، وهذا يفيد الجسم بالتزود بالسكريات ليعوض ما نقص منه بسبب الصيام، والتمر طعام وشراب كما قال الله تعالى للسيدة مريم: ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً {25} فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً {26}﴾ مريم، وقال صلى الله عليه وسلم في الماء: (هو طعام طعم وشفاء سقم)، فإذا أفطر الصائم على غيره أخذا وقتاً طويلاً حتى يتحول جزء من البروتينات والنشويات إلى السكريات التي يحتاج إليها الجسم، ولذا كان ابن حزم يرى أن الإفطار على الرطب أو التمر أو الماء وجوباً إن وجد.

5- الرخصة في الفطر في رمضان لأصحاب الأعذار:

رخص النبي (صلى الله عليه وسلم) لأصحاب الأعذار في الفطر في رمضان كالمسافر والمريض وكبير السن ومن غلب عليه الجوع والعطش والحامل والمرضع والحائض والنفساء والمقاتل في سبيل الله والصغير ومن زال عقله ومن كان يعمل عملاً شاقاً لا يقدر على تحمل الصوم معه، وهذه الأعذار تصب في هدف واحد ألا وهو الحفاظ على صحة الصائم فلا تنهكه مشقة السفر وعدم القدرة على الصوم مع مشقة العمل وليس له دخل إلا منه، أو آلام الداء ومرارة الدواء فلا يجمع عليهما مشقة الصيام، وكذلك العجوز الذي فنيت قدرته على التحمل والصبر والمجاهدة ….الخ فحقاً صدق من أرسلك رحمة للعالمين،

وأنت بحق بالمؤمنين رءوف رحيم، والله تعالى جعل القضاء والكفارة لتعويض ما فاته شيء من الصيام فقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ البقرة {185}.

6- وصية النبي (صلى الله عليه وسلم) بعدم الغضب في الصيام:

فقال (صلى الله عليه وسلم): (إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث، ولا يسخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤٌ صائمٌ) (البخاري)، لأن الغضب عموماً له آثار وخيمة لا تحمد عقباها تعود على الجسم والنفس، ولذا عندما طلب من رسول الله أحد الصحابة أن يوصيه فقال له: (لا تغضب)،

وقد أثبت أحد الأطباء في أبحاثه عن فوائد الصيام فقال: (ومن فوائد الصيام عدم السخب والغضب عملاً بأمر النبي (صلى الله عليه وسلم)، لأن إذا اعترى الصائم غضب وانفعال وتوتر للأعصاب ازداد إفراز الأدرينالين في دمه زيادة كبيرة قد تصل إلى عشرين ضعفاً عن معدله الطبيعي، وبهذا تستهلك الطاقة البشرية بغير ترشيد، كما أن بعض الجلوكوز يفقد في البول بسبب التوتر والغضب، وبالتالي يفقد الجسم كمية كبيرة من حيويته دون فائدة تعود عليه) لذا جاءت وصية رسول الله للصائم بعد الغضب لتوفير الطاقة والاحتفاظ بها لتبقى صحة الأبدان. هذا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل والحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات