sliderالرأى

التنوير صناعة إسلامية ” 2 “

عين العقل..بقلم : مؤمن الهبـاء

كتبت فى الأسبوع الماضى عن مفهوم التنوير الذى بدأ فى الغرب على يد مجموعة من المفكرين والفلاسفة والأدباء فى القرن الخامس عشر كحركة فكرية تعتد بالعقل وتعتمد عليه فى مواجهة الأساطير التى فرضتها الكنيسة خلال العصور الوسطى ..  فى حين كان اهتمام الإسلام بالعقل وإعماله سابقا على حركة التنوير فى أوروبا .. وقد ظهر ذلك جليا فى العديد من آيات القرآن الكريم وأحاديث النبى صلى الله عليه وسلم إلى الحد الذى جعل علماء الإسلام ومفكريه يجملون قيام الإسلام على دعامتى العقل والعمل فى عبارة موجزة تقول ” الإيمان اعتقاد وعمل ، فهو اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وأداء للأعمال والأركان “.

وبناء على ذلك  أطلق علماء الإسلام ومؤرخوه على العصر الأول ـ الذى ظهر فيه الإسلام على أيدى رجاله وبمواقفهم ـ أنه “عصر العقل ” بمفهومه الواسع .. هذا العصر بدأ يوم أن أصبح العقل يحكم الأمور.. فدانت للمسلمين امبراطوريات وسقطت على أيديهم ممالك ونشطت الحياة  العلمية والثقافية فنشطت حركة التجميع لأطراف المعارف الإنسانية .. ومعها نشطت حركة التقنين العلمى .. وكان ذلك ملحوظا فى علوم اللغة والفقه ثم نقل علوم الآخرين .. حتى لم يكد يمضى قرن على الرسالة المحمدية إلا وكانت هناك شخصية متكاملة للأمة الإسلامية .

وقد استمر الاهتمام بالعقل وتعظيمه والاعتداد بأحكامه فيما تلا ذلك من عصور إسلامية .. ولم يكد يأتى القرن الرابع الهجرى وامتداده فى القرن الخامس حتى بدأت حركة التنوير بكل ملامحها وتفاصيلها تظهر للعيان .. فكانت رسائل إخوان الصفا بمثابة دائرة المعارف التى هى عادة رمز يشير إلى التنوير من ناحية جمع المعلومات .. وكانت الفلسفة قد بلغت ذروتها عند الكندى والفارابى وابن سينا مما يشير إلى سلطان العقل .. وصاحبت الفلسفة حركة قوية فى النقد الأدبى .. وإذا ذكرنا النقد الأدبى فى هذا السياق بالنسبة لأجدادنا الأقدمين فلابد أن نشير إلى النقلة الكبيرة التى حدثت فى هذا العلم باعتماد العقل وتحليلاته التى لم يكن الركون إلى الذوق فيها بمثابة ” الحلية ” التى توضع على الثوب .. بل إن الشعر ذاته ـ وهو إبداع محض ـ غلبت عليه النظرة العقلية التى تطل على الإنسان لتسبر أغوار نفسه وتكشف حقيقته وماهيته .. ولعل أصدق مثال على ذلك أبو العلاء المعرى .

وهكذا يمكن القول بأن التنوير الذى عرفت أوروبا بداياته فى القرن الخامس عشر وبلغت أوجه فى القرن الثامن عشر عرفه المسلمون من قبل فى القرن العاشر الميلادى وامتداده فى القرن الحادى عشر .. أى قبل أوروبا بعدة قرون .. حيث نلمح معنى وشعارا للتنوير رسمه أبو العلاء المعرى لمدرسة فكرية متكاملة فى الثلث الأول من القرن الحادى عشر الميلادى عندما قال شعرا :

زعم الناس أن يقوم إمام

ناطق فى الكتيبة الخرساء

كذب الزعم لا إمام سوى العقل

مشيرا فى صبحه والمساء

وهذا الذى عرفه المعرى ونبه إليه كموقف فكرى عرفه كذلك فلاسفة الإسلام وعلماؤه فى المشرق والمغرب .. حيث كان اعتدادهم بالعقل والتعويل فى حل ماكان يواجههم من معضلات فى فهم الوجود والكون والإنسان فيما لانص فيه قطعى الثبوت قطعى الدلالة .. حتى أن أبو نصر الفارابى الملقب بالمعلم الثانى بعد أرسطو قد ذهب إلى أن ” واجب الوجود عقل محض ..يعقل ذاته بذاته .. فهو عاقل ومعقول فى آن واحد ” .. وذهب الشيخ الرئيس ابن سينا إلى أن العقل البشرى ” قوة من قوى النفس لا يستهان بها ” .. وحين قارن حجة الإسلام أبو حامد الغزالى بين العقل والنقل قال إن العقل يدرك نفسه ويدرك غيره .. أما ابن رشد فيلسوف المشرق والمغرب فقد دعا فى كتابه ” فصل المقال ” إلى نظر الموجودات ومعرفتها بالعقل وحده .. وكرر عبارة ” بالعقل وحده ” تأكيدا لدور العقل مستندا إلى قول الله تعالى :” أولم ينظروا فى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ” وقوله تعالى : فاعتبروا ياأولى الأبصار ” .. فقد حثت الآية الأولى على النظر بالعقل فى جميع الموجودات وحثت الثانية على وجوب الإعمال العقلى فى كل شيء والاعتماد على هذا الإعمال .

ومن هنا نرى أنه فى الوقت الذى لاقى التنوير فى أوروبا مقاومة ومعارضة من رجال الدين هناك ، وظل الحال على هذا النحو ثلاثة قرون بين شد وجذب فإننا نرى الدين الإسلامى يدعو إليه ويحث عليه .. ومن هنا أيضا نرى أن العقل الإسلامى استطاع أن يقدم تراثا متميزا يزخر بأرقى ما وصل غليه العقل البشرى من إنجازات وإضافات فلسفية وعلمية وأدبية ونقدية .. واستطاع وهج هذا العقل أن يضيء ظلام العصور الوسطى فى أوروبا .. وأن يفجر فيها عصرا جديدا فى مجالات عديدة .. وأن يكون له دور مؤسس فى تكون الفكر الأوروبى الحديث .. الفكر الذى نبعت منه هذه الحركة التنويرية على أيدى القائلين بها من الأوروبيين .

وفى العصر الحديث عندما قام مجموعة من رواد انهضة بالدعوة إلى استعادة العقل بعد مرحلة طويلة من تغييبه كان اعتمادهم الأكبر على الفهم الإسلامى المستنير الذى يرفض التخلف ويحث على التفكر والإبداع واللحاق بركب الحضارة .. ستجد هذا واضحا فى جهود عدد من العلماء والمفكرين والمصلحين فى مصر والعالم العربى والإسلامى وفى مقدمتهم الشيخ حسن العطار والطهطاوى والأفغانى والإمام محمد عبده والكواكبى وغيرهم .. ثم يأتى من بعدهم جيل يرفض الجمود والتقليد الأعمى للقديم ويدعو إلى الجمع بين العقل والنقل .. وبين الدين والدنيا .. والأصالة والمعاصرة .. والتراث والتجديد .. ويتخذ من الدين الإسلامى دافعا إلى دعوة التنوير لنصل إلى أرقى مراتب الحضارة الإنسانية اعتمادا على العقل فى مواجهة أولئك المشككين الذين يرون فى الإسلام عائقا للتنوير وللتقدم ويضعونه فى تناقض مصطنع مع العلم والعقل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات