sliderالرأىرمضان

وماذا بعد رمضان يا أمَّة القرآن؟

بقلم: الشيخ رسمي عجلان عضو الرابطة العالمية لخريجي الأزهر

ها هو شهر رمضان قد قوَّضت خيامه، وغابت نجومه، وانقضى بأيامه ولياليه ودقائقه وثوانيه، وها أنت في ليلة العيد، فالمقبول منا هو السعيد والمرود هو البعيد أي عن رحمة الله. ولئن كان ذلك الشهر موسماً عظيماً من مواسم الخير والطاعة فإن الزمان كله فرصة للخير والتزوّد للدار الآخرة، وليست العبادة خاصة بشهر رمضان بل الحياة كلها عبادة فلا تكن من أولئك القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان لقد قال فيهم السلف “بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان”.

فكن عبداً ربانياً ولا تكن عبداً رمضانياً، فرب رمضان هو رب الشهور كلها فلا تكن ممن عزم التوبة في رمضان ونقضها بعد رمضان! قال تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً) النحل (92)، فيا من أعتقك الله سبحانه من النار في رمضان؛ فلا تعود بعد أن أصبحت حُرّاً إلى رق المعاصي والأوزار! فالعمل الصالح شجرة طيبة، تحتاج إلى سقاية ورعاية، حتى تنمو وتثبت، وتؤتي ثمارها، وإن أهم قضية نحتاجها أن نتعاهد أعمالنا الصالحة التي كنا نعملها في رمضان، فنحافظ عليها، ونزيد عليها شيئاً فشيئاً، ولا ننقطع عنها بانقضاء رمضان!

وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم المداومة على الأعمال الصالحة، فعن عائشة (رضي الله عنها) قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته) (رواه مسلم)، وأحب الأعمال إلى الله وإلى رسوله أدومها وإن قلَّت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل). (متفق عليه)، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم: كره المعصية والقرب منها وكان يدعو الله أن يُبعده عنها قائلاً: (اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين؛ اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين).

وللثباتِ على الطاعة ثمرة عظيمة وهي حسن الخاتمة، كما قال ابن كثير رحمهُ الله: (لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه يوم القيامة)، ومن ثمرة الطاعة نيل محبة الله تعالى، دل على هذا قول النبي: (إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشئ أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) (رواه البخاري).

ومن ثمرة الطاعة ترويض النفس علي مكابدة الهوي وتربية النفس علي أخذ معالي الأمور، وإملال الشيطان فلا يكون له في العمل الصالح حظ ولا نصيب.

فللطاعة والثبات عليها والمداومة على فعلها وإن قلت حلاوة خاصة ومذاق خاص لقوله صلى الله عليه وسلم: (ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمانِ، أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ كَما يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ) (متفق عليه)، فعليك أيها المسلم أن تواصل أعمال الخير، من الصلوات والصيام والصدقة والذكر وقراءة القرآن، وسائر القربات.

فإن من علامة قبول العمل، إتباع الحسنة بالحسنة، وإن أردت أن تعرف مقامك فانظر أين أقامك، ومن هنا يقول رسول الله: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله) (متفق عليه) فبادر بالعمل قبل حلول الأجل، واغتنم حياتك وشبابك وفراغك وصحتك وغناك قبل حصول أضدادها. فقد قال ( صلى الله عليه وسلم): (اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك). (رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين وأقرَّه الذهبي). أيها الصائم القائم: لئن كان رمضان موسماً للصيام والقيام، فإن العام كله موسم للأعمال الصالحة، والأعمال المشروعة في مجال الصلاة والصيام والقيام والصدقات لا تنقطع فداوم عليها فإن الله لا يمل حتى تملوا، فاحرصوا على فعلها وتحقيقها لتفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة.

فيا من وفَّى رمضان على أحسن حال، لا تتغير في شوال، يا من رأى العيد ووصل إليه متى تشكر المنعم وتثني عليه، فليس العيد لبس الجديد، وإنما العيد بقبول الأعمال والقرب من الغني الحميد، فيا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه، ومن المحروم فنشفق عليه ونعزيه.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات