الرأى

هذا هو الأزهر

بقلم: مؤمن الهبـاء

كان مؤتمر الأزهر لنصرة القدس علامة فارقة فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى ، فقد أعاد الاعتبار لمفهوم المقاومة الشاملة والجهاد الحقيقى فى مواجهة الغاصب المحتل ، وأكد الثقة الكاملة فى قدرة الشعوب على تحرير أراضيها واسترداد حقوقها مهما طال أمد الظلم وقويت شوكة الظالمين ، فالنصر فى النهاية لأصحاب الحق الذين يؤمنون بحقهم ويتمسكون به ، ووضع حدودا فى التعامل مع العدو لا يمكن تجاوزها ، وأكد على الثوابت الوطنية والقومية والدينية التى كادت تندثر بفعل الغفلة والتجاهل ، ووضع خريطة طريق جديدة لنصرة القدس فى نفوسنا وفى بلادنا وفى مناهجنا التعليمية وخطابنا الدينى والسياسى والإعلامى والثقافى حتى نستطيع نصرة القدس فى مواجهة الأعداء .

وكانت كلمة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشجاعة فى الجلسة الافتتاحية هى قاطرة المؤتمر ليكون على هذا المستوى من الوعى الراقى بأبعاد القضية وما يليق بها وبنا من اهتمام ، فقد كان الشيخ معبرا بكل صدق عن ضمير الأمة وأشواقها ورغبتها فى أن ترى الأمل وتسترد القدرة والثقة فى النفس وتخرج من دائرة الإحباط الإجبارى والهزيمة النفسية والحضارية التى حشرت فيها باسم السلام الكاذب والحل السلمى والمفاوضات اللعوبة .

نعم .. كانت كلمة شيخ الأزهر شجاعة ، كما كانت مشجعة لكل المتحدثين بعده كى يكونوا معبرين عن الروح الجديدة التى تستحقها قضية القدس ، روح المقاومة فى مواجهة الغطرسة الأمريكية الصهيونية التى تريد أن تفرض على أمتنا الموت والاستسلام ، وكم كان الشيخ رائعا وهو يؤكد على حتمية زوال الاحتلال قائلا : ” إن كل احتلال إلى زوال إن عاجلا أو آجلا ، وإنه إن بدا اليوم وكأنه أمر مستحيل إلا أن الأيام دول وعاقبة الغاصب معروفة ،ونهاية الظالم وإن طال انتظارها معلومة ومؤكدة ، اسألوا التاريخ ، أو عودوا للتاريخ ، أين هى امبراطوريات الاحتلال الآن ، ما هو مصير حملات الفرنجة التى يسميها الغرب الصليبية والتى طاب لها المقام فى فلسطين مائتى عام ، اسألوا الدول التى طالما تباهت بأن الشمس لاتغرب عن مستعمراتها ” .

وانظر إلى شجاعة الشيخ ومهابته وهو يقول: “إن كل قوة متسلطة محكوم عليها بالانحطاط ، لكن ذلك يتطلب امتلاك القوة التى ترعب العدوان وتكسر أنفه ،ونحن دعاة سلام عادل تدعمه قوة علم وتعليم واقتصاد وتحكم فى الأسواق وتسليح يمكنه من رد الصاع صاعين ” ، ثم وهو يقول أيضا : ” كتب علينا أن يعيش بيننا عدو دخيل لا يفهم إلا لغة القوة فليس لنا أى عذر فى أن نبقى حوله ضعفاء وفى أيدينا ـ لو شئنا ـ كل عوامل القوة ومصادرها “.

ويواجه الشيخ المهزومين نفسيا وروحيا دعاة الاستسلام المتثاقلين إلى الأرض بقوله: ” ليس الكيان الصهيونى هو الذى ألحق بنا هزيمة 48 أو 67 أو غيرهما من الحروب والمناوشات ، وإنما نحن الذين صنعنا هزيمتنا بأيدينا ، وما كان لأمة موزعة الانتماء ممزقة الهوية والهوى أن تواجه كيانا يقاتل بعقيدة راسخة ” .

هذا كلام يجب أن يكتب بمداد من ذهب إذا كنا جادين حقا فى البحث عن مخرج مما نحن فيه من ضعف وهوان وفقر وهزيمة وتخلف وتبعية ، نعم هو كلام صادم  لكنه صادق ، ليس فقط فيما يخص قضية القدس وإنما فيما يخص مجمل جوانب حياتنا التى تدهورت بعد أن صرنا أمة “موزعة الانتماء ممزقة الهوية والهوى فى مواجهة عدو يقاتل بعقيدة راسخة “.

وكان من أبرز ما قاله الشيخ فى هذا الصدد: ” علينا ألا نتردد فى التعامل مع قضية القدس من المنظور الدينى ، إسلاميا كان أو مسيحيا ، لأن كل أوراق الكيان الصهيونى دينية خالصة لا يدارونها ، ولا يحسبونها سوءات يتوارون منها ، وماذا فى يد هذا الكيان من مبررات فى اغتصاب أرض تنكره ، وماذا فى يد الصهيونية المسيحية الحديثة التى تقف وراء هذا الكيان وتدعمه غير تفسيرات دينية زائفة مغشوشة ” .

ومن هذا الإدراك الواعى لطبيعة الصراع جاءت مقترحات الإمام الأكبر لكيفية المواجهة الصحيحة التى تحقق النصر بإذن الله ، وكلها مقترحات جيدة يجب الأخذ بها والبناء عليها ليس فى مصر فحسب ولكن فى كل الدول العربية والإسلامية والمحبة للحق والسلام ، وقد كان واجبا أن تحظى هذه المقترحات بأهمية خاصة فى وسائل إعلامنا ، وفى مناقشات برامج الـ” توك شو ” المشغولة دوما بتوافه الأمور لتزييف الوعى الشعبى وتسطيحه وإبعاده عن قضاياه الجوهرية.

ومن معين كلمة الشيخ الجليل جاءت كلمات المتحدثين بعده ، وكلهم أفاضل كرام كانوا على قدر التحدى ، لكننى توقفت كثيرا أمام كلمة الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر التى تناول فيها قضية التطبيع وخطورتها وضرورة أخذ رأى الخبراء الموثوق بهم والمؤسسات الوطنية والقومية ذات الصلة وقبل هذا وذاك أهل القدس وفلسطين أنفسهم قبل الدعوة لزيارة الأرض المحتلة ، حتى لا تصب هذه الزيارة فى مصلحة العدو ، وسانده فى هذه الرؤية كثيرون أعادوا الاحترام والاعتبار لفكرة المقاطعة .

لقد قال الأزهر كلمته واضحة جلية فى هذا المؤتمر الذى شرف المصريين والعرب والمسلمين جميعا ، قال الأزهر ما لم تقله مؤتمرات القمة وما دون القمة على مدى سنوات طوال ، وحق لنا أن نقول للعالمين هذا هو أزهرنا الشريف ، وحق علينا أن نقول لبيك يا إمام فى كل ما طرحته من مقترحات ، ولبيك يا أزهر فى كل ما جاء بوثيقة لإعلان التى أصدرها المؤتمر ، حتى تتحول هذه الوثيقة إلى خريطة طريق وبرنامج عمل ، ولا تكون مجرد كلام فى الهواء .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات