الرأى

ملامح الوعي الإصلاحي في الفكر الإسلامي “1-2”

بقلم د.محمد داود.. أستاذ بجامعة قناة السويس

العقل المسلم في مواجهة لاهبة وأمام تحدٍّ خطير في معركة الوعي والتخلِّي عن الجمود؛ ففي ظل البطالة العقلية ملأ العبث حياتنا، وتراكمت سلبياتنا وأصبحنا لا نستفيد من التجربة ولا ننتفع بدروس التاريخ، واكتفينا بالتغنىِّ بأمجاد الماضي وغفلنا عن مسئوليتنا عن الحاضر والمستقبل، والدنيا من حولنا تقفز قفزات هائلة إلى المستقبل، ونحن نرتدُّ إلى الوراء!

والمشكلة أعمق وأكبر من ظاهر هذا الواقع المظلم أمام أعيننا، وذلك لأن أزمة الوعي وثيقة الصلة بضحالة الفكر والخواء الثقافي عند شبابنا؛ ومما هيَّأ الفرص للاختراق الثقافي والتلوث الفكري، وجعلنا على موائد التبعية للآخر.

وإذا أردنا سبيلاً لتحريك العقول وكسر الجمود الفكري، فإن من أهم الوسائل التي أصَّلها القرآن الكريم في العقل المسلم: الحوار العقلاني، ومن طرق الحوار العقلاني ما يعرف الآن بالقراءة التفاعلية.

لقد اتخذ القرآن الكريم حوار العقل طريقًا لإثارة الفكر والفهم، ولم يَكْتَفِ القرآن بتوجيه الأوامر والنواهي، بل في قسم كبير من آياته أقام مناقشات عميقة حول أخطر القضايا في الوجود كله، ألا وهى قضية الإيمان بالله عزَّ وجلَّ؛ لأن القرآن يريد للإنسان أن يؤمن وليس في نفسه شئ من الشك؛ لأن الإكراه لا يصنع الإنسان المؤمن ولا المجتمع الفاضل، وإنما يصنعهما الإقناع والتربية والوعي.

لذلك حاور القرآن العقل في قضية الإيمان بوحدانية الخالق، وحاوره في صدق القرآن وإعجاز آياته، وحاوره في خلق الكون والإنسان والحيوان والنبات وسائر المخلوقات، ليرشده إلى أن يتأمل ويتدبر، كي يرى في عظمة هذه المخلوقات دليلاً على عظمة الخالق سبحانه وتعالى.

ومن أمثلة حوار العقل فى القرآن هذا الحوار الذي يبدأ بالسؤال والتبصّر والتدبّر والمقارنة لإيقاظ الوعي والإدراك, قال الله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

وكما أن هذه الآيات فيها إيقاظ للعقل كي يفكر ويتدبر ليدرك ويفهم، ففيها أيضًا تسفيه للعقول المتحجرة التي تتخبط على غير بصيرة.

وتتسع دائرة الحوار القرآني مع العقل من خلال فضح الأساطير والخرافات والتصورات الباطلة التي لا تَمُتُّ إلى الحق بصلة.. من ذلك محاجة إبراهيم عليه السلام لقومه، قال الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ}.

هنا يظهر مفهوم القراءة التفاعلية، حيث مقابلة الفكرة بالفكرة والحجة بالحجة؛ أي أن الحوار ممتد بين الطرفين فيه تكرار المراجعة بالأسئلة المختلفة التي تكشف منطقهم وتبين حجتهم فيبيِّن الله لهم بطلانها عن طريق الحجج المقنعة.

ومن سمات الحوار القرآني مع العقل البشرى أنه يترك الباب مفتوحًا للتفكر والتدبر، على نحو ما نرى في سورة النمل حيث يطالب القرآن العقلَ ألا يقبل حقيقة بدون برهان، قال تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.

وهكذا يثير القرآن العقل ليتأمل في خلق الكون والإنسان؛ لما فيهما من براهين الإيمان ودلائل القدرة.

ومن أهم نماذج القراءة التفاعلية في القرآن الكريم: مناقشته للشبهات التي أثارها الكفار حول القرآن، فالقرآن يعرض موقف النبي صلى الله عليه وسلم ثم قول الكفار وشبهتهم، ثم رد القرآن على قولهم وشبهاتـهم، على نحو ما نرى في سورة يـونس من قولـه تعـالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ}.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات