الرأى

في السجن عرفت الإخوان

بقلم: عماد علي

حبس اختياري !!

هل تتخيل أن يحبس إنسان نفسه بمحض ارادته!!  كيف ذلك وهو الذي خُلق حراً بطبيعته؟ ورغم غرابة السؤال؛ إلا أنه يحدث في الواقع، فأحيانا كثيرة نتصرف ضد فطرتنا إذا ما وُضعنا في ظروف معينة، أو مورست علينا ضغوط ما، أو خضعنا لتأثيرات تتحكم في اختياراتنا .

منذ خمسة عشر عاما مضت عرفت الاخوان، أو هكذا ظننت! فرغم أن الانطباعات الأولى تدوم غالبا، فإنها لا تصدق كثيرا ولا تدل بالضرورة على حقيقة الأشياء .

كانت أول مرة بالنسبة لي أؤدي سنة ” الاعتكاف ” في العشر الأواخر من رمضان في المسجد، وككل البدايات في ” الجماعة ” دائما ما تكون إيمانية خالصة، وهناك تعرفت على الاخوان لأول مرة، ولكن وبسبب الأوضاع الأمنية وقتها وكان ذلك في العام 2002 ولأنها كانت جماعة محظورة لم يكن يعلن الإخوان عن انتمائهم الحقيقي، فقد كانوا يمارسون أنشطتهم التربوية والدعوية والخيرية وغيرها من خلال الانتشار في بعض المؤسسات كمراكز الشباب وبعض الجمعيات الخيرية، والإخوان كانوا منتشرين في أغلب الأحياء والقرى بهذا الشكل وكانوا يقومون بالكثير من الأنشطة العامة كاللقاءات الرياضية والرحلات وحلقات التلاوة في المساجد والاعتكاف، وكانوا ينتشرون بكثرة وسط الشباب خاصة الذين مازالوا في المرحلة الإعدادية والثانوية والجامعية؛ فقد كانت تلك المرحلة العمرية اخصب مرحلة وأهم رافد للجماعة لضم أعضاء جدد، وفي أثناء القيام بتلك الأنشطة كانت هناك دائما عينا ترصد المشاركين فيها من العامة لتنتقي منهم من يصلح طبقا للشروط لأن يكون عضوا مستقبليا في الجماعة، ومن ضمن الصفات الهامة وجود نسبة من التدين لدى الشخص وتميز في بعض الأمور كتفوقه الدراسي أو مكانته الاجتماعية، وكذلك مدى استعداده لكي يصبح طيّعا بعد ذلك فقد كانت أسوأ صفة في “الأخ” هي التفكير وكثرة السؤال !

في إحدى فعاليات ما بعد الثورة، كنا يوما في ميدان التحرير لإحياء ما سُمي “مليونية الشرعية والشريعة “، وبعد أن قضينا وقتا أنا وصديق لي نردد بعض الهتافات التي كان الكثير منها يطالب بتطبيق الشريعة، خطر ببالي سؤال لم أجد إجابته عند صاحبي وبالطبع لم تكن عندي أيضا؛ ما هي الشريعة التي نطالب بتطبيقها؟؟ للأسف هذا هو الواقع عاطفة قوية وألسنة تهتف بمنتهى الحماس وقد تدخل في معارك وصراعات من أجل ما تهتف لأجله، وعقول لا تعي ما تقول .

فرغم أن الإخوان قامت على أفكار كبرى، ونظرية واضحة الأهداف حددها البنا، ومن المفترض أن يكون الخطاب الذي يوجه لمن يتوسم فيه أن يكون عضوا بالجماعة خطابا متسما بالعقلانية وشارحا لتلك الأفكار ولأهداف الجماعة ومشروعها الكبير؛ إلا أن الواقع يكشف أن مسألة الأفكار تأتي في ذيل اهتمامات الإخوان، وأن الجهد المبذول في جذب أعضاء جدد يركز على مخاطبة القلوب أكثر من العقول، وتحريك العاطفة الدينية لدى الشباب وحثهم على الرغبة في العمل للإسلام والدعوة له واستعادة أمجاده وتطبيق شريعته، عبر خطاب مسرف في العموميات لا يهتم بالتفاصيل ولا ببرامج العمل ولا مناقشة إشكاليات الواقع وتحديد حلول لها.

وهكذا نشأ جيل يحب الإسلام ولا يفهمه، يسعى لتطبيق الشريعة دون أن يدري ما هي، تحركه عواطفه ولا يُعمل عقله، ليصدق عليه قول القائل ” من عبد الله بغير علم كان ما يُفسد أكثر مما يُصلح ”

وهكذا انصهرت وغيري في بوتقة الجماعة ولا نملك إلا عاطفة قوية للإسلام وقناعة بأن من أخذوا بأيدينا يعلمون أكثر مما نعلم، وما علينا إلا العمل الدؤوب، فالطريق واضح والقائد عليم والنتيجة محتومة.

مجتمع حين تدخله في البداية تشعر أنك قد انتقلت من الدنيا بمتاعبها وهمومها وأطماعها إلى جنة وُجدت على الأرض، لا مكان فيها للأحقاد، لا تجمعك بمن فيها مصلحة دنيوية، لا توجد فيها إلا أخوة صافية وقرب من الله ودعوة في سبيله ونشر للخير بين الناس، مجتمع يحيطك من جميع جوانبك، يملأ عليك حياتك، يجعلك تستغني عن الناس عن أصدقائك القدامى، عن اهلك الأقربين، إنه مجتمع الإخوان!! لترى بعد فترة أنه يحتويك لدرجة تعزلك عن العالم، ليس بالمفهوم المادي ولكنها عزلة شعورية وفكرية تجعلك ترى العالم من عدسة الجماعة فقط، تشعر وكأن الجماعة هي مدار الكون الذي يجب أن يدور الجميع في فلكه، أنها الحق المطلق الذي يتحدد على أساسه مدى التزام الناس وبعدها عن الحق، مجتمع يحبس عقلك وروحك، يقتل طموحك ويقمع أفكارك، يحبسك بداخله ثم يملأ قلبك وعقلك بقناعات تجعلك تنظر للمجتمع نظرة دونية، فالغالبية نسيت الإسلام في حين نعمل له نحن، الغالبية تستمد مرجعياتها من قوانين أرضية وضعية بينما نستمدها من السماء نحن، فقد جئنا لإنقاذ المسلمين والبشرية جميعا مما هم فيه، هذه رسالة الإسلام ولكن المشكلة حينما نصبح ( نحن الإسلام أيها الناس ) كما قال البنا و ( صلة الأرض بالسماء ) و ( صحابة رسول الله ولا فخر ) فحينها تذوب الفوارق فنصبح نحن الإسلام والإسلام نحن!!

وفي حين أنك ترى العالم وكأنه تم اختزاله بالنسبة لك في هذا المجتمع الضيق؛ يراك العالم كذلك صغيرا للغاية، يستغرب عليك تلك المكانة التي وضعت نفسك فيها دون حق ولا دليل، يبادلك نفس النظرة الدونية التي تحملها له، يشعر بغرورك ويرى بوضوح أنفك وقد ارتفعت للسماء ولا يدري لماذا صرت هكذا، ينخدع فيك أحيانا لكن سرعان ما تنكشف له الحقائق بعد حين، يجاملك احيانا ولكن لا يحبك، يعطيك صوته احيانا في الانتخابات ولكن لا يدافع عنك ولا يأبه لك إذا أصابك سوء، شيء بائس حقا ومتناقض ولكنه الحقيقة !!

هكذا رأيت الواقع حينما حاولت وحاول معي آخرون أن نتسلق ذلك السور المحيط بنا لنتمتع بشيء من الحرية تجعلنا نرى الحقيقة أو على الأقل جزءً منها، وهكذا أدعوا غيري .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات