الرأى

في السجن عرفت الإخوان “4”

بقلم: عماد علي

في السجن تحررت..

رَمَتْني بِدَائِهَا وَانْسَلّتْ              طَبِيِبٌ يُدَاوُي النَاسَ وَهْوَ عَلِيلُ

مثال عربي قديم يقال في حق من يتهم الآخر بعيب هو فيه بينما ينكره عن نفسه ، هذا المعنى رأيته حين عرفت الاخوان في السجن، فالجماعة دائما ما تعتبر ان المحن تأتي للتمحيص ولتمييز الخبيث من الطيب، وتنظر للخارجين منها علي انهم ضعاف الايمان وتصفهم ب ” المتساقطون” ، وترى ذلك من فوائد المحن حيث أن ” الجماعة تنفي خبثها ” كما يقولون ، والحقيقة أن الأزمة الحالية التي تعيشها الجماعة والتي خلالها ترك العديد من اعضائها التنظيم، وتخلى عنها من مؤيديها الكثير، وفقدت من شعبيتها جزء كبير؛ هي التي أظهرت الكثير مما كان خافيا عن الجماعة، وانكشفت حقائق الاشياء فأصبحنا نراها على طبيعتها دون تجميل أو غموض .

ورغم أني عاشرت الاخوان لفترة طويلة إلا أني لم أراهم قبل ذلك بهذا الوضوح الذي رأيتهم عليه داخل السجن، فحين اختلفت الآراء اختلفت القلوب، وتبدلت الوجوه، وتغيرت النظرات، ونطقت الألسنة بما لم تنطق به من قبل، واصبح اخوان الأمس أعداء اليوم،   ولا عجب في ذلك، فليس غريبا على قوم يعتقدون دائما بامتلاكهم للحق أن يروا المختلف معهم عدوا، ليس لهم بل للإسلام .

ومن خلال مشاهدتي عن قرب واحتكاكي بالإخوان داخل السجن استطيع أن أصفهم بصفات ثلاثة، وحيث أني أرفض التعميم في أي شيء؛ فإني أتحدث عن النسبة الاكبر وليس عن الكل، فكما قال الشافعي :

والنَاسُ مِثْلَ دَرَاهِمٍ قَلَّبْتُهَا             فَأَصَبْتَ مِنْهَا فِضّةً وزُيُوفَا

إخوان ساذجون

في احدى الفاعليات الثقافية التي كانت تقام في السجن وكان احد الاشخاص يقدم محاضرة عن العلاقات الدولية ويشرح طبيعتها والقواعد التي تحكمها، ثم في نهاية اللقاء تقدم له احد القيادات البارزة في الجماعة والذي تجاوز الستون عاما، وكان عضوا بالمكتب الاداري للاخوان بمحافظته، ونائبا بمجلس الشورى، توجه اليه معاتبا ” حرام عليك، لماذا لم تشرحوا لنا هذا الكلام من قبل “!! فتخيل أن يكون قياديا بجماعة تعد الأكبر في مصر وقتها والتي لديها اكبر حزب سياسي له شعبية، ووصلت الى اعلى منصب سياسي وهو رئاسة الدولة؛ لم يسمع او يقرأ شيئا مثل هذا من قبل! وقس على ذلك الكثير من القيادات التي تساويه أو تعلوه داخل الجماعة .

ولا أنسى ذلك القيادي الخمسيني الذي كان عضوا باللجنة الادارية العليا التي كانت تدير الجماعة لفترة خلال عام 2014، حين كان يتحدث احد الاشخاص في معرض كلامه عن تجديد الخطاب الديني، فعلق ذلك القيادي متهكما ” آه عايزين يغيروا القرآن والسنة “!! كلام لا يفرق كثيرا عن كلام أي شخص ليس لديه حد أدنى من الثقافة تجعله يفهم انه ليس المقصود بتجديد الخطاب او الفكر الديني  تغيير القرآن أو عدم الاحتكام اليه، وتخيل أن هذا الكلام يصدر من شخص يقود جماعة تدعي أنها مجددة، وأن مؤسسها هو مجدد الاسلام في القرن العشرين !!

هذه امثلة تدل على انعدام الثقافة السياسية بل والدينية التي من المفترض توافر حد كبير منها لدى جماعة جعلت من مهامها اصلاح المجتمع واقامة دولة اسلامية عالمية .

ولك أن تتخيل ان كان هذا حال قيادات الجماعة فكيف بقواعدها !؟

إخوان مستبدون

تزوير في اللوائح، تهرب من إجراء الانتخابات واعتبارها عديمة الجدوى، محاباة في التحكيم والفصل في المنازعات، محاولات لمنع الكتب ذات الأفكار المخالفة، محاولات لمنع اللقاءات التي تتناول نقدا للسياسات والممارسات، منع من الخطابة والقاء المحاضرات، ابعاد ونفي للمخالفين، تشويه معنوي وتحريض علني، دعاء على المخالفين بالصلوات، تحذير للناس من الجلوس مع المعارضين، تسليط السفهاء للاعتداء على المخالفين في الرأي بالأيدي ، أنا لا أتحدث هنا عن نظام حاكم سلطوي مستبد؛ ولكني أتحدث عن الاخوان المسلمين، فالجماعة بحكم انها تمثل التيار الاكبر داخل السجن كانت هي المسيطرة على الحياة هناك، فكانت تقوم بالعديد من الانشطة، وتجري انتخابات لاختيار من يديرون تلك الانشطة، ويضعون اللوائح المنظمة لذلك، وخلال ممارستها لتلك الادارة الداخلية كانت تقوم بالعديد من الممارسات القمعية التي ذكرت بعض امثلتها، وما يدعوا للأسف أن تصدر تلك الممارسات من قبل من يدعون أنهم ما جاءوا الى السجن الا من أجل حرية يطالبون بها ويضحون من أجلها، ولكن هيهات ان تجد عند الظمآن ماءً، فصعب على قوم لم يطبقوا العدل بينهم ولم تتشرب الحرية نفوسهم أن يمنحوها لغيرهم، ففاقد الشيء لا يعطيه، وكما قال الشاعر هي أشياء لا تُشترى !!

إخوان مدلسون

إنزال النصوص الدينية في غير منزلها وليّ أعناقها لهو التدليس بعينه وهو دأب الاخوان، فالجماعة ترى نفسها بمثابة الفئة المؤمنة الني تمثل جماعة المسلمين وتغرس في عقول أعضائها تلك القناعة عبر وسائل شتى، فمثلا تتحدث عن البيعة والآيات والاحاديث الواردة فيها وتقوم بإنزالها علي الجماعة وكأنها هي المخاطبة بها، لتقنع افرادها بوجوب البيعة لمرشدها

عندما حدثت الأزمة الداخلية في الجماعة وانشطرت على إثرها إلى جماعتين، قام احد قيادات الجماعة في لقاء ضم اعدادا كثيرا مذكرا اياهم ” بحرمة ” الاختلاف مع جبهة القيادات التاريخية وأنهم ملتزمون ببيعة يجب الوفاء بها، واستشهد بآيات وأحاديث عديدة تتحدث عن هذا الأمر وكأن المقصود بها جماعة الاخوان، بل إنه فسر كلام البنا نفسه وأوله بشكل فيه تدليس حيث فسر كلامه في الاصول العشرين الذي يتحدث فيه عن” رأي الامام ونائبه ” وانه مُلزِم في امور معينة على ان الامام هو محمد بديع والنائب هو محمود عزت، برغم ان البنا كان يقصد الحاكم ونائبه بشكل واضح جدا!!

والأمثلة في هذا كثيرة، ويكفيهم تدليسهم على الشباب الصغير والبسطاء من الناس بإيهامهم بقرب موعد النصر، وتخديرهم بالأماني الكاذبة دون سعي حقيقي للخروج من الازمة.

كلمة أخيرة… كثيرة هي القيود التي من الممكن أن تقيد الإنسان؛ أقلها خطورة وتأثيرا تلك القيود المادية التي تقيد حركته وتمنعه من المشي والانتقال من مكان لآخر، فثمة قيود أخري خفية، تلك التي تحيط بعقله وتحبسه داخل زنزانة من الأفكار التي يظن أنها غير قابلة للهدم، وتمنعه من رؤية أفكار أخري، تلك التي تخنق روحه وتمسك بتلابيبها فلا تجعلها قادرة علي التنفس ورؤية الأشياء علي حقيقتها، وهذه أصعب في كسرها والتحلل منها بكثير من الاولي، لكني منها تحررت. ففي السجن تحررت؛ رغم القيود المادية تحررت، من قناعات راسخة من سنين، من مجتمع منغلق علي نفسه حال بيني وبين الآخرين علي اختلاف صورهم، من نظرة أحادية للأمور، من حكم مسبق علي الأشياء .. تحررت . وعندما تحررت رأيت الأشياء على حقيقتها، وأيقنت حينها أنه اذا كان الاخوان يمتلكون افضل مشروع يخدم الاسلام والوطن؛ فإن هؤلاء الأشخاص قيادة وأفرادا غير مؤهلين، لا فكريا ولا أخلاقيا لتحقيق أهداف هذا المشروع، فما بالك والمشروع ذاته به عوار !!؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق