الرأى

فصاحة الرسول

بقلم: د. وفاء عبدالسلام

كانت بلاغة الرسول- صلى الله عليه وسلم- مضرب المثل، وموضع الدهش، ومحل الإعجاب من كل من سمعه، وأنصت إلى ألفاظه التي تقطر رِقَّة، وتفيض عذوبة، وأصغى إلى معانيه التي تطل منها أروع الحكم، وتنبجس خلالها أصدق الأمثال، حتى لقد عجب من ذلك سيدنا على بن أبي طالب- رضي الله عنه- فقال: يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نعرفه، فمن علَّمك؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه: أَدَّبَني رَبِّي فأَحْسَن تَأْدِيبي.

وقال له سيدنا أبو بكر- رضي الله عنه-: لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم، فما سمعت أفصح منكَ!

د وفاء عبد السلام
د وفاء عبد السلام

وكان صلى الله عليه وسلم يعتز بما منحه الله من نقاء الفطرة، وخلابة المنطق، ورجاحة الفكر، فيقول: أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش ونشأت في سعد بن بكر.

وإذا كان العرب أمة البلاغة، وأئمة الفصاحة وإذا كان الكلام صناعتهم التي بها يباهون ويَتشدقون؛ فلابد أن يكون الرسول الذي يُبلِّغهم عن ربهم، ويهدم عقائدهم الباطلة، ومذاهبهم الزائفة، ويغيّر ما ألفوا من عادات، وما ورثوا من تقاليد، أن يكون بيانه أسمى من بيانهم، ومنطقه أبلغ من منطقهم، ومن هنا كان تأييد الله سبحانه له بمعجزة القرآن، وحجة البيان.

ومن هنا كان بيانه- صلى الله عليه وسلم- النبع الدافق الذي يتفجَّر من طبع مهذّب، وفطرة عريقة أصيلة، تساندت في صقلها أقوى العوامل، وتعاونت على إذكائها أبلغ المؤثرات، إذ نشأ وتقلَّب في أفصح القبائل وأصحّها لهجة، وأخلصها منطقا، وأعذبها بيانا.

كان مولده- صلى الله عليه وسلم- في بني هاشم، وهم ذروة قريش، وأخواله من بني زهرة، ورِضاعه في سعد بن بكر، ونشأته في قريش، وزواجه من السيدة خديجة- رضي الله عنها- وهي من بني أسد، وكل هذه القبائل خصَّها الله بالفصاحة والبلاغة  وكان ذلك كله إعدادا من الله لنبيّه، لينهض بأتم دعوة، وأكمل رسالة، وكان صلى الله عليه وسلم فصيح المنطق، سلس الأسلوب، رائع الحكمة، قوى الحجة، بليغ التأثير في النفوس، يحس المرء لكلامه حلاوة، ويستشعر منه بلذة تهزالنفوس، وتثير الأحاسيس، وتأخذ بمَجامع القلوب وتخشع من جلال العظة، وإذا خطب انقطعت الشُّبه لبلاغة الحُجَّة، وامتلأت النفوس اقتناعا بالحقيقة، ورضا برأيه، وامتثالا لأمره.

ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يتكلَّف كأنما بين الألفاظ ومعانيها في كل بلاغته مقياس ومِيزان.

ومن هنا نرى أن بلاغة الرسول الكريم وأسلوبه وقوة بيانه وشدة إتقانه وعلو شأنه في اللغة، هي المنح التي يهبها خالق الإنسانية لمن يختاره للسفارة إلى الإنسانية.

وكما عصمه الله من لدن طفولته من الرجس والدنس، وحفظه من شرور الجاهلية وآثامها، كذلك عدَّل لسانه، وقوَّم بيانه، وأرهف منطقه، وأفاض عليه من لدنه قوة بيان يستطيع بها أن يناضل عن دعوته، ويُنافِح دون رِسالته.

وقد روي أن سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال له: يا رسول الله، ما بالك أفصحنا!

قال- رضي الله عنه- كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، كأن كلماته عقد لؤلؤ حباته منظومة نظماً.

اليوم أكثر الكلام الفصيح إما به إيجاز مخل، أو إطناب ممل، أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان كلامه فصلاً لا نزراً ولا هزراً، وكان الذي يستمع إليه يعد كلامه عداً، كان هادئاً يلقي الكلام كلمة كلمة.

وهناك أمثلة للنبي عليه الصلاة والسلام، وصور أدبية وعبارات في منتهى الروعة، لذلك هناك كتب تُعنى بدراسة كلام النبي دراسة أدبية وتوضح كيف كان عليه الصلاة والسلام يصوغ الكلام.

وكوني امرأة تعتز بتكريم الإسلام لها فسأقدم صورة واحدة من صور البلاغة النبوية التي تبيّن عظم مكانة المرأة في الإسلام في قوله صلى الله عليه وسلم: “أول من يمسك بحلق الجنة أنا- أي أول من يدخل الجنة- فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة مات زوجها وترك لها أولادا فأبت الزواج من أجلهم”.

لو سمعت هذا الحديث امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً آثرت تربيتهم، ومستقبلهم، وأخلاقهم، على نفسها، لذابت إعجاباً بعملها، وحباً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال عليه الصلاة والسلام: “إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة”.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على من أوتي جوامع الكلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات