الرأى

عين العقل

الصهيونية الدينية

بقلم : مؤمن الهبـاء

أخيرا .. تنبه الرئيس الفلسطينى محمود عباس  إلى أن أمريكا وإسرائيل تعملان على فرض الطابع الدينى على الصراع العربى الإسرائيلى بينما ينظر إليه العرب على أنه صراع سياسى ، قال ذلك صراحة أمام القمة الإسلامية فى اسطنبول الأربعاء الماضى ، واتهم الأمريكان والإسرائيليين بإشعال الحروب الدينية فى منطقتنا ، وهذه نقلة مهمة فى الخطاب العربى الرسمى .

شواهد المفارقة بين الطابع الدينى للصراع الذى تصر عليه  أمريكا و إسرائيل والطابع السياسى الذى يصر عليه العرب والمسلمون قديمة وأكثر من أن تحصى ، لكنها كانت أشد  وضوحا فى ردود الأفعال المتتالية على قرار الرئيس الأمريكى ترامب الذى اعترف فيه بالقدس عاصمة لإسرائيل وأمر بنقل سفارته إليها ، فقد ظهر أن الأمريكيين والإسرائيليين يتحدثون فى الصراع  من منطلق دينى عقائدى وتاريخى يستلهم الأساطبر التوراتية التى يغذيها الخيال وأطماع القوة عن الحقوق التاريخية  بينما يتحدث العرب عن قرارات الأمم المتحدة ومواثيق الشرعية الدولية والاتفاقيات الموقعة والحقوق القانونية والقيم الانسانية .

على سبيل المثال يتحدث نائب الرئيس الأمريكى مايكل بنس عن ” وطن اليهود المقدس ” و ” عاصمة الشعب الأبدية ” و ” المواجهة بين أهل الخير وأهل الشر ” ، وسمعناه يستنزل بركات الرب على إسرائيل وأمريكا ، ويسأله النصر على ” كراهية الإرهابيين والدول الفاشلة المتربصة حقدا ” ، بينما تتحدث المؤتمرات العربية والإسلامية عن ” انتهاك قرارات الشرعية الدولية ” و ” عدم وفاء إسرائيل بالالتزامات التى وقعت عليها ” و ” خيانة ترامب للاتفاقيات الموقعة عليها أمريكا بشأن القدس ” .

يضاف إلى ذلك أن الخطاب الاسرائيلى الأمريكى موجه إلى الداخل ، يعول على الجماهير ووعيها ، ويعمل على تحفيزها ، ويتضمن فى ذاته قوة تنفيذ قراراته من خطط مستقبلية واستراتيجيات مدروسة ومحسوبة بدقة بالغة  ارضاء للرب وطلبا لمباركته وتأييده ، أما الخطاب العربى فيغرق فى الحديث العاطفى والبكاء على ماكان واستهلاك الطاقة  فى التوصيف والغضب والرفض والشجب والاستنكار دون القدرة على اتخاذ قرارات جادة قابلة للتنفيذ ، ثم هو فى الغالب موجه إلى الخارج الذى عليه أن يتحمل مسئولياته التاريخية أما نحن فلا التزامات حقيقية علينا ، كما كان يفعل بنو اسرائيل قديما مع نبيهم ” اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ” .

ومن المفارقات العجيبة أنه فى  الوقت الذى اتجه العرب جميعا فيه  إلى معسكر الاعتدال ـ وفق التوصيف الغربى ـ وحرصوا على نبذ العنف وأعلنوا أن السلام خيارهم الوحيد ولا بديل عن المفاوضات لحل الصراع مع اسرائيل ، فإن  نفسه اسرائيل اتجهت  إلى أقصى درجات التطرف  اليمينى الدينى ـ وفق التوصيف الغربى أيضا ـ والحديث المفتوح عن ” جنود الملك داوود الذين اختارهم الرب لتحقيق حلم الأجداد فى الخلاص الربانى ” وكيف أن استيطانهم الأرض هو تجسيد لرؤى أنبياء بنى اسرائيل .

ثم تمدد هذا التطرف اليمينى الدينى من اسرائيل إلى الغرب عموما ، وإلى أمريكا على وجه الخصوص ، حتى  أصبحنا الآن أمام تيار جارف متعجرف يعرف باسم ” الصهيونية الدينية ” استطاع أن يأتى بإدارة ترامب الفاشية إلى البيت الأبيض لكى تطبق علينا رؤيتها الدينية الملفقة ، ثم  ـ وياللعجب ــ يتهموننا بالتطرف والتشدد الدينى ويبحثون لنا عن علاج يجعلنا منفتحين متسامحين دينيا .

وإذا كان الرؤساء الأمريكيون السابقون قد استهدفوا بتأييدهم لإسرائيل كسب دعم الجالية اليهودية فى أمريكا ، منذ أن أعلنوا الإسلام عدوهم الأخضر وأطلق  بوش الابن على غزوه للعراق ” الحرب  الصليبية ” ، فإن ترامب سعى منذ بداية حملته الانتخابية إلى كسب دعم الطائفة المسيحية الانجيلية ، وهى من أقوى وأهم الطوائف المسيحية فى الولايات المتحدة ، وكان هدفه من اختيار حاكم ولاية انديانا الجمهورى مايكل بنس الذى ينتمى لهذه الطائفة كنائب هو ضمان دعم وأصوات هذه الطائفة ، وما كان يستطيع ترامب الوصول إلى البيت الأبيض بدون دعم هذه الطائفة وتأييدها له ،  والذى يهمنا فى هذا الصدد ما يوليه أبناء هذه الطائفة من إيمان لا يتزعزع بان القدس تمثل فعلا عاصمة للدولة اليهودية ، وأن على كل شخص أن يسعى لتكريس هذا الأمر، ومن هنا كان حرص ترامب على أن يقف بنس خلفه أثناء قراءته لقراره الخاص باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل كى يؤكد لأبناء الطائفة على التزامه بتنفيذ وعوده الانتخابية والحفاظ على قاعدته الانتخابية وضمان استمرار تأييدهم له .

وهكذا فإن اعتراف ترامب  بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها لا يرجع فقط إلى تاثير اللوبى اليهودى أو إلى كون زوج ابنته جاريد كوشنر يهوديا ، وهو بالمناسبة قد عهد إليه بملف عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، ولكن القضية تتعلق بالصفقة التى عقدها ترامب مع تيار الصهيونية الدينية المتطرفة ، فهو رجل صفقات كما يحلو له أن يصف نفسه ، وهو يرى أن صفقة القدس رابحة دينيا وسياسيا مثلما كانت صفقته مع دول الخليج أيضا رابحة ، كى يقول للناخب الأمريكى أنه ينفذ وعوده الانتخابية ولا يلقى بالا للاتهامات التى تلاحقه بشأن التدخل الروسى لصالحه فى العملية الانتخابية .

ويعتقد ترامب أنه بما استطاع تحقيقه من نجاح حتى الآن ـ من وجهة نظره ـ ممثلا فى نجاحه غير المتوقع فى الانتخابات الرئاسية ثم  صفقة الخليج التى فاقت كل التوقعات ثم صفقة القدس ، يعتقد أن لديه القدرة رغم كل شيئ على إنجاز صفقة القرن بين العرب والإسرائيليين وفقا لشروطه هو ورؤيته هو ، وهى الشروط والرؤية التى تنتمى تحديدا لطائفتين معينتين ” اليهودية والصهيونية المسيحية ” غير عابئ بأية اعتبارات أو معايير أخرى ، ولنتحدث نحن عن الشرعية الدولية والقرارات والاتفاقيات ماشاء لنا الحديث .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق