الرأى

شهداء العشق الإلهي .. رابعة العدوية (1)

بقلم: خالد الشناوي.. باحث في الدراسات الفكرية والسياسية

بين حلاج يقول “أشرقت شمس من أحب” وحجاج يصيح”إنى أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها” يمضى تاريخ البشر.

ويحفل تاريخ الشعر بالمقتولين, منهم متصوفة عرب او فرس كالحلاج والسهروردى,وأدباء قدامى كابن المقفع

ومحدثون من شعراء الإسبانية كلوركا ونيرودا.

وفى شعر الحب الإلهى العربى إشراقات وشطحات وكلام لا يقال,ولكن الحب صادق,لم يكتمه الحلاج فمات,

وكتمه آخرون أو اكتفوا بالتلميح دون التصريح,فعاشوا مدتهم على الأرض فى سلام نسبى.

ومن كانت لكلماته أجنحة عاش فى الذاكرة,سواء عمّر حتى جاوز التسعين أو مات على الصليب.

رابعة العدوية البصرية وتكنى بـأم الخـير، عابدة مسلمة تاريخية وإحدى الشخصيات المشهورة في عالم التصوف الإسلامي، وتعتبر مؤسسة أحد مذاهب التصوف الإسلامي وهو مذهب الحب.

وبهذا تُعد رابعة العدوية التي عاشت في القرن الثاني الهجري (تـ. في حدود 180هـ/ 796م)، من أشهر رموز الصوفية على مدار التاريخ الإسلامي.

تحلت رابعة العدوية منذ الصغر بقلب صادق، وقد بدأت بحفظ القرآن والعبادة والتهجد في هدأة الليل، ويشار إلى أنّ رابعة قد تشردت هي وأخواتها ولم تلتق بواحدة منهن أثناء القحط والجفاف،

وقد زاد البلاء عليها عندما أخذها لص وباعها في سوق العبيد، حيث أذاقها التاجر الذي اشتراها سوء العذاب،

إلا أنّ ذلك لم يزدها إلا تعلقاً بربها؛ وذلك لأنّ المؤمن الصادق يظل على العهد والمجاهدة مع ربه حتى لو مرّ في أصعب الظروف،

وقد تعرض لها ذئب بشري في أحد الأيام إلا أنها دافعت عن كرامتها وعفتها حتى كسر ذراعها، وحينها ذهبت تسجد لله شكراً لله أن أنجاها من هذه المصيبة.

وذات يوم رآها سيدها وسمعها وهي تدعو الله بأن يخصلها من العبودية،

كما أنّه رأى حولها نوراً من عمق صلتها بربها، حينها رق قلبه لها وأعتقها، وهنا تحررت لكن جعلت همها هو هم الآخرة.

وتُعد رابعة صاحبة مدرسة صوفية متميزة، تختلف كثيراً عما سبقها من أشكال الممارسات الروحية الإسلامية،

حيث اعتمدت مدرسة رابعة، على مركزية الحب، حتى عُرفت باسم شهيدة الحب الإلهي، وكانت تلك المدرسة تقوم على ملء قلب الصوفي بحب الله وحده،

بحيث لا يشترك معه في هذا الحب أحد من خلقه.

ورغم أنه لا توجد الكثير من التفاصيل عن حياتها ونشأتها، فإنه يظهر من المعلومات التي أوردها أبو عبد الرحمن السُلمي في كتابه ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات،

أنها قد ولدت في أسرة فقيرة بالبصرة، وأنها قد سُميت برابعة لكونها البنت الرابعة لأبيها.

وتؤكد الأخبار التاريخية، أن رابعة كانت شيخة لعدد من فقهاء عصرها، ومنهم سفيان الثوري، الذي ورد أنه قصدها كثيراً، للسؤال عن بعض ما أُشكل عليه فهمه من أمور الدين.

ويفند الفيلسوف عبد الرحمن بدوي في كتابه شهيدة العشق الإلهي أسباب اختلافه مع الصورة التي صورتها السينما لرابعة_اللهو والمجون في بدايتها_ بدلالات كثيرة منها الوراثة والبيئة، بالإضافة إلى الاستعداد الشخصي.

وكان جيران أبيها يطلقون عليه “العابد”، وما كان من الممكن وهذه تنشئة رابعة أن يفلت زمامها، كما أنها رفضت الزواج بشدة.

رسالة رابعة لكل إنسان كانت: أن نحب من أحبنا أولاً وهو الله.

رابعة تختلف عن متقدمي الصوفية الذين كانوا مجرد زهاد ونساك، ذلك أنها كانت صوفية بحق، يدفعها حب قوي دفاق، كما كانت في طليعة الصوفية الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيده رغبة سوى حب الله وحده.

قالت عبدة بنت أبي شوال وكانت من خيار إماء الله ، وكانت تخدم رابعة :

كانت رابعة تصلي بالليل كله فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر فكنت أسمعها تقول : إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة : يا نفس كم تنامين ؟ إلى كم تقولين ؟ يوشك أن تنامي نومة لا تفوقين منها إلا ليوم النشور.

وكانت تقول: وكيف ينام من علم أن له حبيبا لا ينام؟

قالت فكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت

“إلهي هدأت الأصوات وسكنت الحركات، وخلا كل حبيب بحبيبه، وقد خلوت بك أيها المحبوب، فاجعل خلوتي منك في هذه الليلة عتقي من النار” .

بهذا التمتمات النورانية كانت تناجي رابعة ربها سيدها ومولاها

تجاوزت رابعة العشق الإلهي عالم الظواهر وانغمست في الباطن محققة الحضور والتوحد في مناجاتها لمحبوبها، ترى الود كل الود في في رضائه.

راحتي يا إخوتي في خلوتي.. ولي حبيب دائماً في حضرتي

حيثما كنت أشاهد حسنه.. فهو محرابي، إليه قبلتي

ومن أشهر أشعارها فى العشق الالهى :

عرفت الهوى مذ عرفت هواك واغلقت قلبي عمن سواك

وكنت أناجيك يامن ترى خفايا القلوب ولسنا نراك

احبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاك

فاما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي انت أهل له فكشفك للحجب حتى اراك

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاك

واشتاق شوقين شوق النوى وشوق لقرب الخلي من حماك

فأما الذي هو شوق النوى فمسرى الدموع لطول نواك

أما اشتياقي لقرب الحمى فنار حياة خبت في ضياك

ولست على الشجو أشكو الهوى رضيت بما شئت لي في هداك

روى القشيري في رسالته أنها كانت تقول:

“إلهي أتحرق بالنار قلباً أحبك” ؟

فهتف بها مرة هاتف: “ما كنا نفعل هذا.. فلا تظني بنا ظن السوَّء”!

سئلت يوما كيف بلغت هذه المرتبة العالية

روى القشيري في رسالته أنها كانت تقول:

“إلهي أتحرق بالنار قلباً أحبك” ؟

فهتف بها مرة هاتف: “ما كنا نفعل هذا.. فلا تظني بنا ظن السوَّء”!

سئلت يوما كيف بلغت هذه المرتبة العالية في الحياة الروحية ؟ فقالت:

بقولي دائما:

اللهم أني أعوذ بك من كل ما يشغلني عنك ومن كل حائل يحول بيني وبينك).

ومتى يكون العبد راضيا؟

قالت (إذا سرته المصيبة كما تسره النعمة)!

خاطبها محمد بن سليمان الهاشمي, أمير البصرة وقال لها :(لي غلة عشرة ألاف في كل شهر أجعلها لك)

فكتبت اليه تقول (ما يسرني أنك عبد وأنك تهبني كل مالك وأنك شغلتني عن الله طرفة عين).

قال الفخر الرازي:

باتت رابعة العدوية ليلة في التهجد والصلاة، فلما انفجر الصبح نامت.

فدخل السارق دارها، وأخذ ثيابها، وقصد الباب، فلم يهتد إلى الباب، فوضعها، فوجد الباب، ففعل ذلك ثلاث مرات.

فنودي من زاوية البيت:

ضع القماش واخرج، فإن نام الحبيب فالسلطان يقظان!

كلمة للأمة بأسرها:_

لو تأمّلنا حياة أولئك العظماء لاكتشفنا نقطةً هامّة وهي الجمع الذي امتازوا به.

وأعني بالجمع هموم المصير الفردي والجماعي،

فهم يسيرون إلى الله وأجسامهم في الأرض وأرواحهم معلّقة بالملأ الأعلى.

قادةٌ للمجتمع وهداةٌ للإنسانية، فهم في قلب الحوادث، وليسوا منـزوين أو منفصلين عما يجري حولهم، فعرفانهم ذو بعدين: فردي واجتماعي.

ولو أردات أمتنا_ بعالميها العربي والإسلامي_ العودة لريادتها  وتقدمها .

فعليها أن تقدم أمثال هؤلاء القمم الشوامخ في مقدمة الصفوف لتواجه بهم الأعداء .

فمهما أوتيت البشرية من تقدم في عالم المادة فلابد من شق الطريق سيرا نحو عالم النور والوصال!

ليتحقق التوازن بين عالم المادة وعالم الروح .

مقالات ذات صلة

1 thought on “شهداء العشق الإلهي .. رابعة العدوية (1)”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات