sliderالرأى

شبهات وحقائق: اقتحامات الصهاينة..وأوهام زيدان عن الأقصى

بقلم الدكتور: محمد داود

أعلنت سلطات الاحتلال الصهيوني تكثيفها لاقتحامات متعددة للأقصى خلال العشر الأواخر من الشهر الكريم ، والغريب أن هذا يتزامن مع – بل وسبقته-   طعون من بعض المنتسبين للإسلام الذين يشككون في قدسيته وعلى رأسهم الدكتور يوسف زيدان الذي أدعى أن المسجد الموجود فى مدينة القدس المحتلة، والذي ذُكر في القرآن الكريم وأُسرى بالرسول صلى الله عليه وسلم إليه، ليس هو المسجد الأقصى الحقيقي، وإنما بناه عبد الملك بن مروان في العصـر الأموي من أجل مطمح سياسي، وليس له أي قدسية دينية.

أوهــام زيــدان حـول المسجــد الأقصى تسقـط أمـام حقــائق التاريـــخ ، فقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أ بى ذَرٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّـهِ، أَى مَسْجِدٍ وُضِعَ فِى الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: «المَسْجِدُ الحَرَامُ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟قَالَ «المَسْجِدُ الأَقْصَى» قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ:«أَرْبَعُونَ سَنَةً…»، وبمرور الزمن تقادم البناء وبقيت قواعده ومحيطها مكانًا مباركًا.

في بداية تاريخ فلسطين المعروف هاجر إليها الكنعانيون الساميون من شبه جزيرة العرب، ومن يومها وهم أوفر مَنْ سكنها عددًا، وأبرز من سكنها إسهامًا في تاريخها الحضاري؛ إذ إن كثيرًا من المدن والبلدان الفلسطينية الحالية ترجع فى أصلها إلى أصل كنعاني؛ كغزة ويافا وأريحا وأسدود والقدس. (راجع: العرب فى العصور القديمة،لطفي عبد الوهاب، ص60).

القدس مدينة كنعانية أسسها (سالم) أحد زعماء اليبوسيين، وهم قبيلة كبيرة من الكنعانيين، فعرفت بـ(أورسالم)، حرَّفها العبرانيون بعد ذلك إلى أورشليم، فقد جاء فى الكتاب المقدس: ˮوَبَنُو بَنْيَامِينَ لَمْ يَطْرُدُوا الْيَبُوسِيِّينَ سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ،فَسَكَنَ الْيَبُوسِيُّونَ مَعَ بَنِى بَنْيَامِينَ فِى أُورُشَلِيمَ“ [سفر القضاة، الإصحاح الأول].

وعُرفت في العصـر الروماني بإيلياء، واشتهرت بعد الفتح الإسلامي بالقدس الشريف وبيت المقدس. [راجع: تاريخ الخلفاء الراشدين، للدكتور محمد سهيل طقوش،1/270].

لكل ما تقدم، عُرفت فلسطين فى التاريخ القديم بأرض كنعان، حتى فى الكتاب المقدس، فقد جاء فيه ˮثُمَّ قَالَ يُوسُفُ لإِخْوَتِهِ وَلِبَيْتِ أَبِيهِ: أَصْعَدُ وَأُخْبِرُ فِرْعَوْنَ وَأَقُولُ لَهُ: إِخْوَتِى وَبَيْتُ أَبِى الَّذِينَ فِى أَرْضِ كَنْعَانَ جَاءُواإِلَيَّ“. [سفرالتكوين، الإصحاح السادس والأربعون].

ثم تتابع عليها الغزاة والمحتلون والفاتحون ، وحكم بنو إسرائيل هذه البلاد أقل من قرن من الزمان على أيام نبيِّى الله داود وسليمان عليهما السلام، ثم انقسمت دولتهم بعدها وسقطت.

ولما شَغَبَ اليهود أيام الاحتلال الروماني لفلسطين كثيرًا، قصدهم الرومان بحملات قاسية مزقت وجودهم بفلسطين، فتبعثروا فى الآفاق مشردين خارجها؛ حتى خلت من وجود ملحوظ لهم قبل الفتح الإسلامي بأكثر من خمسة قرون.[موجز التاريخ الإسلامي، لأحمد معمور العسيري، 1/448].

وقد أُسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ورد في القرآن الكريم، من المسجد الحرام إلى مكان المسجد الأقصى المبارك الذي تقادم به الزمن، فربط دابته(البراق) عند حائطه الغربي فعرف بحائط البراق، وهو المشهور عند اليهود بحائط المبكى؛ حيث يتباكون عنده على ضياع هيكل سليمان الذي دُمر من قبل عدة مرات، فلم يعد يُعرف له مكان ولا أثر، ثم عُرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء من هذا الموضع، كما ورد في الحديث الشريف.

وعندما فتح المسلمون بلاد الشام في خلافة الفاروق رضي الله عنه، اشترط عليه أهل بيت المقدس ألا يساكنهم فيها يهودي، فاستمر خلوُّها من وجود ملحوظ لهم طيلة العصر الإسلامي حتى بداية فصول المأساة المعاصرة في القرن الماضي.

جدَّد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بناءَ المسجد الأقصـى عند بنائه قبة الصخرة وسوَّره على النحو الموجود الآن، ثم تتابعت عليه يد الترميم والتجديد على مر السنين. [الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، لمجير الدين العليمي، 1/272].

إجمالًا، فإن فلسطين بلد كنعاني سامي عربي قبل الفتح الإسلامي بأكثر من 3000سنة، ثم عربي إسلامي منذ الفتح حتى الآن، وأن نفوذ بني إسرائيل قبل نشوء الكيان الصهيوني الغاصب انحصر عبر تاريخها في أقل من قرن من الزمان حكم فيه بنو إسرائيل رعية أغلبها كنعاني؛ وعليه فقد ساد الكنعانيون الساميون والعرب فى أرض فلسطين رعاةً ورعيةً في أغلب تاريخها المعروف الممتد حتى الآن إلى حوالي خمسة آلاف سنة، وتواجد بنو إسرائيل كما تواجد غيرهم في تاريخها وأرضها على فترات ضئيلة متقطعة.

ومع بداية اغتصاب الصهاينة أرض فلسطين منذ بداية القرن الماضي، هبت المقاومة في ثوبها ومسحتها الإسلامية، لكن سريعًا ما أفرغها العلمانيون من بُعدها الإسلامي وأعلنوها قضية عربية عرقية، فتأخرت الحال ولم ينجزوا شيئًا بل أضاعوا أشياء كثيرة، وها هي القضية الآن تكاد تُفرغ من بعدها العروبى لتتقلص شأنًا فلسطينيًّا خالصًا فى مواجهة كيان غاصب يعلن صباح مساء أنه دولة يهودية توراتية، وعليه فالصراع معه عقدي، وهو صراع وجود لا صراع حدود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات