الرأى

د. يونس.. والتجديد الحقيقى

بقلم: مؤمن الهبـاء

كثر الحديث عن تجديد أو تطوير الخطاب الدينى، وتعددت أهداف من يتحدثون فى هذه القضية، بعضهم يبحث عن التجديد فعلا، وبعضهم يسعى إلى تشويه أو تسطيح أو إلغاء الخطاب الدينى وتفريغه من مضمونه وعزله عن جمهوره ودوره ورسالته، لذلك تولدت عندى حالة من التوجس كلما قرأت أو سمعت عن تجديد الخطاب الدينى  بعدما صار شيئا شبيها  بـ “الموضة” لدى الكتاب والمفكرين، كلهم يتحدثون عن ضرورة التجديد والتطوير وقليل جدا من يتناول القضىة بالجدية الواجبة ويقول لنا كيف يكون هذا  التجديد دون إفراط أو تفريط .

على هذه الخلفية، وبهذه الروح المتوجسة استقبلت كتاب “تجديد الخطاب الإسلامى من المنبر إلى شبكة الإنترنت “الصادر حديثا عن الهيئة العامة للكتاب ضمن مشروع  مكتبة الأسرة “سلسلة فكر”، قلت فى نفسى ماهو الجديد الذى سيضيفه للقراء؟ من المؤكد أنه سيعزف نفس النغمات السارية هذه الأيام، سيركب الموجة وسيغرق فى نقد الخطاب القائم دون أن يهتم بتقديم البديل، أو تقديم نموذج للخطاب الجديد المقبول دينا وعقلا، ألقيت الكتاب جانبا، ثم مرت عينى ثانية على الغلاف فلمحت إسم المؤلف، الزميل الكاتب الصحفى بالأهرام الدكتور محمد يونس، المعروف بجديته ورصانته، عندئذ أخذت الكتاب بىن يدى وشرعت أتصفحه فإذا به مفاجأة من العيار الثقىل، أقول ذلك عن حق ولىس مجاملة، فهذا أمر يتعلق بالمصداقية ولا تجوز فيه المجاملة.

بدأت القراءة من أول صفحة فإذا بى أكتشف أننى أمام كنز معرفى وبحث علمى دسم، وأن هذه هى الطبعة الثانية من الكتاب، فقد صدر الكتاب فى طبعته الأولى عن الدار المصرية اللبناية وفاز بجائزة أفضل كتاب “فرع العلوم الاجتماعية” بمعرض القاهرة الدولى للكتاب عام 2014.

فى المقدمة يفرق د. يونس بين الخطاب الإسلامى الجديد الذى يحتاجه مجتمعنا والخطاب الجديد الذى يطالب به الغرب وأمريكا تحديدا، الخطاب الذى نحتاجه خطاب بنائى وليس إنشائيا يدفع حركة المجتمع ويعيد للإنسان دوره وفاعليته وحضوره، يراعى الأولويات و” يلبى احتياجات شعوبنا التى خرجت إلى الميادين ترفض الاستبداد السياسى والتخلف الاقتصادى والجمود الفكرى الذى فرض عليها عقودا طوىلة من الخارج احتلالا واستعمارا ومن الداخل استبدادا واستحمارا “، خطاب يقوم على الثوابت الدينية ويتناول القضايا الكبرى كالحرية والتعددية والعلاقة بالآخر.

أما الخطاب الجديد الذى تطالب به أمريكا منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 فقد كان ومازال يستهدف تغيير العقل المسلم وتغريبه وفق خطة وضعتها لجنة تشكلت داخل وزارة الخارجية الأمريكية باسم ” لجنة تطوير الخطاب الدينى فى الدول العربية والإسلامية “انتهت إلى توصيات يتم تبليغ الدول بها، وربط تنفيذها باستمرار المعونات، ومن هذه التوصيات تهمىش الدين فى الحياة الاجتماعية للناس والهجوم الدائم على التراث الدينى وجعله مادة للسخرية  وفرض الرقابة على خطبة الجمعة وعدم تناول أى موضوعات تتعرض لإسرائيل وأمريكا وتعديل محتوى مادة التربية الدينية فى المدارس .

وفى غمار التجديد يعرض المؤلف لمفاهيم أساسية تشير إلى تفاعل العقيدة مع حياة الناس، منها : الفكر الإسلامى، والخطاب الإسلامى، والعلاقة العضوية التى تربط بينهما، فإن تجديد الخطاب يرتبط بتجديد الفكر، مع ملاحظة أن الدين ثابت.

لكن الفكر عمل عقلى إنسانى متجدد ومتطور باستمرار، كما يتناول المؤلف مفهوم التجديد ومنهجه ومدارسه وأولوياته ومعوقاته مرورا باتجاهات التجديد فى التراث الإسلامى والعصر الحدىث.

ومن أهم معوقات التجديـد ـ  فى رأيه ـ غلبة المرجعية الفكرية الأوروبية على المرجعية الإسلامية فى الدولة العربىة الحديثة، والجمود الذى أصاب المؤسسة الدينية، والمبالغة فى سلطة التراث وغلبة التقليد، وانقطاع المثقفين والنخب الفكرية عن الثقافة الإسلامىة، إلى جانب الاستبداد السياسى الذى شكل مناخا فكريا يعارض اتجاهات الاصلاح والتجديد ويكرس اتجاهات التبعية والتقليد.

وقد رد شاعر الإسلام محمد إقبال على دراويش التبعية الذين لا يرون التجديد إلا فى كل ما يأتى من الغرب  بأن: “الكعبة لاتجدد بجلب حجارة لها من أوروبا”.

وفى المقابل يقوم منهج التجديد الصحيح على عقل منفتح يتمتع بالحرية ويمتلك أدوات البحث والاجتهاد والإبداع، بحيث يكون التجديد آلية للإحياء وليس وسيلة للتبديد، التجديد لا يعنى معاداة التأصيل، فالفكر الإسلامى يدور فى فلك القرآن نصا أساسىا، والسنة النبوية تفسيرا وتبيانا لهذا النص.

وىقدم د. محمد يونس العديد من القضايا والمشكلات المعاصرة التى تحتاج إلى إجابات فقهية وتقع فى منزلة التجديد منها حسب الأولويات المسائل المتعلقة بتحرر الأمة من السيطرة الأجنبية واستعادة حريتها واستقلالها وعزتها ووحدتها وتحقيق تنميتها وتطوير العلوم والفنون والآداب وتحقيق العدالة الاجتماعية وكرامة الانسان والشورى وعلاقة الحاكم بالشعب ونصرة الحق الفلسطىنى وقضية القدس والمواطنة والمساواة فى إطار الحياة الدستورية وسيادة القانون وعلاقة المسلمين بالآخر وحقوق المرأة وحماية البيئة .

ولم ىكتف­ فى هذا الصدد­ بطرح العناوين، وإنما قدم نموذجا مضىئا للتجديد الذى يجب أن ىكون عليه الخطاب الاسلامى العصرى وهو يتناول كل قضية من هذه القضايا، لكى يكون التجديد تجديدا حقيقيا لا تبديد فيه، مستندا إلى مراجع علمية قيمة، وقد كان هذا سر إعجابى وحماسى للكتاب وصاحبه، وما دفعنى إلى أن أبحث لدى أصدقائى عن رقم هاتفه إلى أن وجدته عند الأستاذ محمد الأبنودى رئىس التحرىر له كل الشكر، فاتصلت بالدكتور ىونس وأثنيت على جهده ودأبه وإخلاصه لقضية التجديد التى أضاف إليها الكثير.

إنه كتاب مهم ويستحق القراءة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات