الرأى

ديوان البابا شنودة

بقلم : مؤمن الهبـاء

أهدانى الصديق الشاعر المحقق القدير الدكتور محمد سالمان نسخة من ديوان البابا شنودة الذى يضم 40 قصيدة قام هو بجمعها وتقديم دراسة ضافية عنها إلى جانب دراسة عن حياة البابا منذ ولادته مرورا بمراحل التعليم المختلفة إلى أن تم تتويجه رئيسا للكنيسة الأرثوذكسية وبطريركا للكرازة المرقسية .

ومن السطور الأولى للكتاب تكتشف أنك أمام شخصية غير عادية ، فقد ولد الطفل نظير جيد روفائيل ـ الذى حمل اسم البابا شنودة الثالث بعد ذلك ـ بقرية سلام مركز منفلوط بأسيوط فى 3 أغسطس 1923 ، وتوفيت والدته بعد موله بأيام قليلة فأرضعته جارتهم المسلمة الحاجة صابرة ، وبدأت موهبتة فى الشعر تظهر وهو فى المدرسة الثانوية مع شغفه بالقراءة فى الآداب العربية والأجنبية والثقافة العامة ، وفى سن 16 عاما كتب أول قصيدة حول موضوع مولده قال فيها :

أحقا كان لى أم فماتت

أم إنى خلقت بغير أم

رمانى الله فى الدنيا غريبا

أحلق فى فضاء مدلهم

وعندما التحق بجامعة القاهرة اختار قسم التاريخ بكلية الآداب وحصل على مجانية تفوق وتخرج عام 1947 بتقدير امتياز ، وكتب قصيدة ” غريب “وهو فى السنة الثالثة بالكلية يعبر فيها عن توجهه إلى العزلة والرهبنة ، يقول فيها :

غريبا عشت فى الدنيا

نزيلا مثل آبائى

غريبا فى أساليبى

وأفكارى وأهوائى

غريبا لم أجد سمعا

أفرغ فيه آرائى

يحار الناس فى ألفى

ولا يدرون ما بائى

يموج القوم فى هرج

وفى صخب وضوضاء

وأقبع ههنا وحدى

بقلبى الوادع النائى

غريبا لم أجد بيتا

ولا ركنا لإيوائى

وفى نفس عام التخرج فى كلية الآداب ـ 1947 ـ تخرج أيضا فى الضباط الاحتياط ، وكان ترتيبه الأول فى مدرسة المشاة  ، وفى 1949 تخرج فى الكلية الإكليريكية وكان ترتيبه الأول أيضا وعين مدرسا فيها ، وصار مسئولا عن مجلة مدارس الأحد كمدير للتحرير ثم كرئيس للتحرير ، وانتهى به المطاف فى دير السريان   حيث حياة الوحدة والتأمل الروحى ، فعاش فيه باسم الراهب أنطونيوس السريانى واختار لنفسه مغارة فى الجبل تبعد عن الدير مسافة كبيرة ، وظل بها إلى أن تم ترسيمه قسيسا باسم  الأنبا شنودة  فى 29 سبتمبر 1962 ، وبذلك خرج إلى بحر الحياة حتى تم تتويجه بطريركا فى 14 نوفمبر 1971 .

ورغم مهامه وارتباطاته وأعبائه الكثيرة لم ينس البابا الشعر ، هو لم يسع أن يكون شاعرا ، لكنه قال شعرا بالفطرة النقية والسلامة اللغوية والموسيقى الخليلية التى لازمت أذنيه منذ سنوات الصبا  ، وقد تعددت قراءاته وكثرت محفوظاته الشعرية فكان ذلك بمثابة النبع الذى تفجرت منه رؤاه الشعرية الخلاقة .

يقول الدكتور محمد سالمان فى هذا الصدد إن البابا شنودة شاعر مفكر ، يمكننا أن نضعه فى زمرة شعرائنا الرومانتيكيين ـ أحيانا ـ فنراه يلتقط فكرة عابرة ويتأملها فى عمق ليصيغها شعرا كما فى قوله :

ياتراب الأرض ياجدى وجد الناس طرا

أنت أصلى أنت ياأقدم من آدم عمرا

ومصيرى أنت فى القبر إذا وسدت قبرا

وتتناثر الموضوعات الفكرية والتأملية فى شعر البابا لتكون عالما تتمازج فيه العاطفة الوجدانية بالخاطرة الفكرية ، ومن ذلك مثلا قوله :

ماحياتى غير أمس عابر

كلها أمس إذا طال الأمد

إن يومى هو أمس فى غد

وغدى يصبح أمسا بعد غد

والبابا شنودة شاعر ناسك عابد ، لم ينس للحظة أنه راهب ، خالع عن كاهله مفاتن الدنيا ومباهجها ، وفى قصيدة ” ذلك الثوب ” التى استوحاها من قصة سيدنا يوسف نراه يقف فى خاطر يوسف عليه السلام ويسجل مشاعره إزاء ماتعرض له من امرأة العزيز فيقول :

هو ذا الثوب خذيه

إن قلبى ليس فيه

أنا لاأملك هذا الثوب

بل لاأدعيه

هو من مالك أنت

لك أن تسترجعيه

فانزعى الثوب إذا شئت

وإذا شئت اتركيه

إنما قلبى لقد

أقسمت ألا تدخليه

وللبابا قصائد عدة فى توجيه الشباب إلى فضائل الأعمال والأخلاق والالتزام بتعاليم السيد المسيح عليه السلام وقصائد أخرى أشبه ماتكون بالأدعية والتراتيل ، أو هى مناجاة لله تعالى ، منها قصيدة “أحبك يارب ” التى فيها يقول :

أحبك يارب فى خلوتى

تناجى فؤادى بعمق الكلم

أحبك يارب فى ضيقتى

ووقت احتاجى ووقت الألم

أحبك يارب فى توبتى

ووقت البكاء ووقت الندم

والمتأمل فى شعر البابا شنودة يشعر مدى ارتباطه بشعراء المهجر من أمثال إيليا أبوماضى وجبران خليل جبران ونسيب عريضة وغيرهم خصوصا فيما يتعلق بعمق الفكرة والإحساس بالاغتراب ، وربما يعود ذلك إلى طبيعة النشأة والتكوين الثقافى ، فإذا كان الشعراء المهجريون قد تربوا فى الكنائس والأديرة والمدارس الدينية  حيث الصفاء الروحى ، فإن البابا نشأ كذلك وترعرع داخل الكنائس مفضلا حياة العزلة والاغتراب عن الناس ، ورغم أنه خاض معارك عديدة وشغل الناس كثيرا إلا أن شعره كله لم يخرج من دائرة الراهب الناسك الورع ، الذى امتلأت روحه صفاء نورا .

لذلك يستحق هذا الديوان  أن يقرأ لنعيد اكتشاف البابا الشاعر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات