الرأى

دور الدعاة في مواجهة افشال الدولة

بقلم / الشيخ رسمي عجلان

يبرز دور الدعاة في المجتمع في الحفاظ على كيان الدولة وحماية مقدرات الأمة وذلك عن طريق نشر الوعي الديني والثقافي بين أفراد المجتمع وأن حب الوطن من الدين ومن لا وطن له فلا دين له ومن لادين له فلا وطن له وأن من رضيا الحياة بغير دين فقد رضيا الفناء له قريباً، وهذا يتحقق بقيام الدعاة بإرشاد وتوجيه الناس إلى المشاركة وتحمّل المسؤولية في مكافحة الفساد، وتعزيز القيم الإنسانية، والتأكيد على خطورة الإفساد في الأرض، ونصح المخالفين، والتحذير من عواقب التخريب والتفجير والقتل والاختلاس والسرقة والنهب من أموال الدولة في الدنيا والآخرة، وتحريض الضمير على أن يبقى حياً خائفاً من العقوبة، وملتزماً بالنظام القائم، لأن دولة بها صعوبات معشيه ونصب وتعب ومشاقة في توفير الحاجيات خير من ألا دولة وتعيش لاجئ طريد بلا مأوى ولا وطن؟! كما أن للدعاة دوراً مهماً في تسليط الضوء على كل ما يتعلق بالفرقة والنزاع والشقاق بين النخب والشباب والأحزاب والجماعات والمؤسسات، حتى لا تذهب ريحكم أي قوتكم ودولتكم كما قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال:46)، وعلى الدعاة التعريف بمفاهيم وأنماط هدم الدولة، واستراتيجيات مكافحته، وإبراز دور التشريعات في الحد من انتشاره، وكشف آثاره الاقتصادية والاجتماعية والأمنية على الفرد والمجتمع في الحاضر والمستقبل على الدى القصير والمدى البعيد، وبيان أن في الاتحاد قوة وفي التفرقة مهانة ومذلة للأمة.

    فإن صلاح هذه الأمة مرتبط بصلاح دعاتها وعلمائها، فكثير من المحن والأزمات التي تعصف بالأمة الإسلامية الآن، نتيجة لغياب دور الدعاة والعلماء وزهد كثير منهم في مخالطة الناس وتوجيههم وإرشادهم لما فيه الخير لدينهم ودنياهم، وأن الله أمر بعمارة الأرض لا بتخريبها وإهمالها أو بمؤمرة على مقدراتها  وبيع ثروتها بثمن بخس دراهم معدودات قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود:61)، وبيان أن فساد أحوال الراعي من فساد أحوال الرعية، والعكس صحيح، قال صلى الله عليه وسلم: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، – قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ).

   فالعالم الذي يخالط الجماهير ويشاركها أزماتها، ويخفف عنها ويسعى في إصلاح المجتمع وبناء الدولة وتحذير الناس من افشالها تلتف حوله هذه الجماهير وتصدر عنه في حركتها فتكتسب به قوة، ويكتسب بها منعة فيرهبوا الطواغيت والفاسدين والمتآمرين على هدم الدولة، ويسعى الحكام والأمراء لمشورته في كل أمر فيكون في ذلك صلاح أحوال العباد والبلاد، فالعلماءُ هم قادة الأُمَّة بشريعة الإسلام، والحكام والأمراء قادة الأمة بالسلطة والتنفيذ. إن على علماء الأمة ألا يكتفوا بالدروس والمحاضرات ولكن عليهم أن يقصدوا العامة، فيكونون لهم أئمة، وقدوة، وقادة، ومرشدين، وعليهم تعقد الآمال في العبور بالبلاد من المحن والمساهمة في بناء البلاد والأمجاد. يقول ابن قيم الجوزية ( والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر، مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم ودنياهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح).

والمطلوب من الداعية أدوار متعددة ومختلفة منها:

1- فهو تارة يُبين ويعلم أحكام الشريعة وأحيانًا يجب عليه هذا البيان ولا يجوز له كتمانه ولا تأخيره عن وقته إذا كان يخص أمن البلاد وسلامة العباد.

2- وهو كذلك يهدى ويرشد وينصح ويرغب ويرهب ويأخذ بأيد الناس للوصول إلى فرد ناجح نافع يبني ولا يهدم يعمر ولا يخرب. 

3- وهو في الأزمات يثبت الناس ويوثقهم ويفتح لهم أبواب الأمل والرجاء ويملأ قلوبهم باليقين.

4- والداعية يجب عليه قول الحق وإنصاف المظلوم.

5- فالداعية لا يقف كما يقف الناس كأنه لا يملك علماً يعلمه ولاحقاً يظهره ولا شهادة يؤديها ولا يقينًا يثبت به الناس من حوله ولا يصح له أن يردد ما يردد العوام من تثبيط للهمم وهدم للقيم. 

6- وعلى الداعية أن يخاطب القلوب والعقول والضمائر ليحركها ويوجهها ويغير مواقفها في صالح بناء الدولة والحفاظ على البنية الأساسية لها.

7- وعلى الداعية أن يهدم مفاهيم الجاهلية وخرافاتها وعاداتها ويبنى كل مفاهيم وقيم الإسلام والإنسانية.

8- وعلى الداعية أن يكون مبشر منذر ميسر لا معسر هاد غير صاد لأنه وريث الرسل.

9- الداعية ينقل الناس من الضيق إلى السعة ومن التعلق بالأسباب وحدها إلى التعلق برب الأسباب، ومن الزمن الحاضر وحدوده إلى المستقبل وسعته، والقدر وحكمته، والله وعدله ورحمته ومن ضيق العسر واليأس إلى سعة الرجاء واليقين ومن الدنيا بفنائها إلى الآخرة وسعتها وخلودها. 

10-  والداعية يرسخ الأصول ويقوى جسور الترابط بين الفرد المجتمع التي تحفظ هويته وتحمى دولته ويغلِّب المصلحة العامة على مصلحته الشخصية، ويقدم رأي الأغلبية على رأيه وجماعته.

11-  نحن دعاة لا قضاة: فمهمتنا نحن الدعاة الدعوة وليس الحكم على الناس. فليس من مهمتك ولا من سلطتك أن تقول هذا كافر وهذا فاسق وهذا فاجر. وهذا عدو لله ورسوله. وما شابه ذلك من أحكام إن مهمتنا هي إدخال الناس في حظيرة الدين وهدايتهم إلي الحق.

12-        نحن دعاة لا ولاة: فالدعاة مهمتهم الدعوة، والولاة والحكام مهمتهم إنفاذ الأحكام السيادية مثل تطبيق الأحكام مثل الحدود أو إعلان الحرب والصلح والأمن الداخلي والخارجي.

13-        وأخيراً: إن من تجديد الخطاب الديني توعية الناس بمكانة الوطن في الإسلام ومكانته عند سيد الأنام والحفظ على مقدراته ومواجهة كل من يحاول افشاله أو هدم حضارته وطمس أمجاده أو بيع ثرواته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات