الرأى

حكايات نسائية

حج المرأة في فترة العدة

بقلم: د وفاء عبد السلام

قابلتني عقب ظهور نتيجة قرعة الحج وكان وجهها المشرق يتهلل فرحا لوجود اسمها ضمن من فازوا في قرعة الحج وقالت هذه هي المرة الخامسة لي التي أتقدم بأوراقي في حج القرعة ولم أفز المرات الأربع التي مضت وهذه المرة والحمد لله والفضل لله فزت برضا من الله عزوجل وسأكون ضمن ضيوف الرحمن هذا العام وسأسقط الفريضة إن شاء الله .

فهنئتها ودعوت لها أن يجعله الله عزوجل حجا ميسرا مبرورا ويتقبله منها ثم سألتها من سيكون معها في هذه الرحلة المباركة من أهلها؟؟؟ فقالت لا سأكون بمفردي فقد حج زوجي من قبل وأسقط الفريضة ونظرا لأن تكاليف الحج أصبحت باهظة فآثر زوجي أن أتقدم للقرعة بدونه جزاه الله عني خير الجزاء وكم كانت سعادته عندما علم أن اسمي في لوحة شرف ضيوف الرحمن ودفع لي المصاريف بنفس راضية ثم انصرفت بعد أن هنأها الجميع.

وعندما وجدت رقمها يطلبني ظننت أن موعد السفر قد تحدد وأنها تريد أن تبلغني به أو تريد أن تسأل عن شئ خاص بمناسك الحج فأسرعت بالرد عليها فإذا بها تفاجئني بأن زوجها قد توفي

وسألتني ماذا تفعل وقد استعدت للحج وكثير ممن حولها من الأهل والأصدقاء أخبروها أنها يجب أن تبقى في البيت الذي مات عنها زوجها وهي فيه ولاتخرج لسفر الحج ولا لغيره طوال فترة العدة.

فأحبتها أن هذا الكلام صحيح ولكن عليها أن ترجع إلى دار الإفتاء المصرية وتعرض عليهم الأمر ربما تجد حلا لها وطلبت منها أن تخبرني بما حدث وعادت وأخبرتني أن علمائنا الأفاضل أفتوا لها بجواز الحج وهي في العدة وقالوا لها جزاهم الله خيرا :
إن الحج من فرائض الإسلام التي فرضها الله سبحانه على المستطيع من الرجال وعلى المستطيعة من النساء، ففي القرآن الكريم قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗا} وهو من العبادات الأساسية، ففي السنة الشريفة قول الرسول صلى الله عليه و في بيان حقيقة الإسلام : ((الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلِا))
ووجوب الحج مشروط بالاستطاعة كما هو صريح القرآن والسنة وبإجماع المسلمين، غير أن الفقهاء اختلفوا في حقيقتها وفي شروطها بوجه عام، كما اختلفوا فيها بالنسبة للمرأة، فالمعتدة من طلاق بائن أو من وفاة، فقد جرى فقه مذهب الإمام أبي حنيفة على أن كلا منهما تقضيان مدة العدة في البيت الذي كانت تقيم فيه وقت وقوع الفرقة بالموت أو بالطلاق البائن، ويحل للمتوفى عنها زوجُها الخروجُ نهارًا لقضاء حوائجها، ويحرم عليها الخروج ليلا خوف الفساد ودرءًا للقيل والقال، ونصَّ فقهاء هذا المذهب على أنه إن انتهت الزوجية بوفاة الزوج أو بطلاقه إياها بائنًا وهي مسافرة، فإن كان بينها وبين مصرها -محل إقامتها- مدة سفر -أي ثلاثة أيام فأكثر- رجعت إلى بيتها لقضاء مدة العدة، وإن كان بينها وبين مقصدها أقل من سفر ثلاثة أيام مضت إلى مقصدها، ولم يجيزوا للمعتدة من وفاة أو طلاق السفر للحج أو غيره إلا في نطاق هذه القاعدة .
لما كان ذلك وكان الظاهر من السؤال أن السيدة المسؤول عنها قد أذن لها زوجها في السفر للحج ثم توفي، وأنها ما تزال في عدة وفاته، وأنها إن قعدت للعدة في منزله فاتها الحج مع أنها قد سددت رسومه ومصروفاته ، وأنه لم يسبق لها أداء هذه الفريضة، وكان معلومًا بالعلم العام أن السفر للحج في عصرنا قد اقتضت مصلحة الدولة العامة تقييده بقيود وتحديد عدد المسافرين وبالقرعة، وقد يتعذر على هذه السيدة أداء هذه الفريضة فيما بعد بسبب تلك القيود، وإذا كان هذا حال المسؤول عنها وهو حال اضطرار واعتذار وسنوح فرصة قلما يتيسر الحصول عليها، لا سيما وقد أذنت لها سلطات الدولة بالسفر للحج، كان ذلك بمثابة وفاة الزوج وهي في الحج فعلا، يجري عليه ما قال به ابن قدامة واحتج له بالحجج القوية المقبولة في النص الآنف، وما نقله ابن هبيرة عن الأئمة مالك والشافعي وأحمد من أنه إذا خافت فوات الحج إن جلست لقضاء العدة جاز لها المضي فيه.
لما كان ذلك كان جائزًا للسيدة المسؤول عنها السفرُ لأداء فريضة الحج وإن كانت في عدة وفاة زوجها؛ لأن الحج آكد باعتباره أحد أركان الإسلام، والمشقة بتفويته تعظم، فوجب تقديمه، لا سيما وقد دخلت في مقدماته في حياة الزوج وبإذنه.

الحمد لله على نعمة الإسلام وكفي بها نعمة

وحفظ الله مصرنا الحبيبة وعلمائها الأفاضل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق