الرأى

حتى لا ننسى القدس

بقلم: مؤمن الهبـاء

اشتعلت حماستنا للقدس وللمسجد الأقصى الأسير حينما أصدر الرئيس الأمريكى “ترامب” قرار الاعتراف بالمدينة المقدسة عاصمة أبدية لإسرائيل ونقل السفارة الأمرىكية إليها،لكن لم يمض وقت طويل حتى هدأت ثورتنا وفترت حماستنا،ولم نعد نسمع عن القدس أو نقرأ عنها فى إعلامنا إلا نادرا وبصورة عرضية،وكأن القصة قد انتهت وأدينا ما علينا، بينما القصة عند العدو الغاصب قد ابتدأت فصولا جدىدة لإحكام السيطرة وتنفيذ المخططات الجاهزة التى كانت تنتظر إشارة البدء.

جمعتنا صدمة القرار المشئوم الذى أصدره ترامب، عقدت الجامعة العربية مؤتمرا طارئا فى القاهرة، وعقدت منظمة التعاون الإسلامى قمة طارئة فى اسطنبول، ورغم أن القرارات الصادرة عن المؤتمرين كانت أضعف من أن ترد الصفعة الأمرىكىة واكتفت بالوقوف عند الحد الأدنى، إلا أنها كانت علامة على الغضب والرفض، ورسالة إلى ترامب ونتنياهو بأننا لن نسكت، وبأن الشعوب العربية والإسلامية مازالت حية وقادرة على التحرك والفعل ذهبنا معا إلى مجلس الأمن ثم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، ذهبنا كتلة واحدة ونسينا خلافاتنا وتناقضاتنا، وظهرنا أمام العالم قوة تصوىتية كاسحة، واستطعنا الحصول على قرار من الجمعية العامة ىرفض قرار ترامب بتأييد 128 دولة، وانكشفت عزلة أمريكا وإسرائيل أمام العالم وشعورهما بالضآلة والخزى . ثم ..ماذا فعلنا لمواجهة الهجمة الأمرىكية الإسرائيلية ؟ للأسف لم نفعل شيئا، وصدقت فينا رؤية أعدائنا بأننا قوم لا نصمد طويلا، تعلو أصواتنا ثم تخمد، ننفعل وننهض، ونهدد ونتوعد، ثم سرعان مانعود إلى الكسل والخمول والفرقة والانقسام، فتضيع قضايانا العادلة، ونخسر ماكسبناه وحققناه بوحدتنا، نفسنا قصير وقدرتنا محدودة، وليس لنا صبر على التخطيط بعيد المدى والمتابعة والإصرار والدأب حتى بلوغ الهدف .

ماذا فعلنا للقدس بعد قرار الجمعية العامة ؟ كيف استثمرنا هذا القرار التارىخى مع الدول التى وقفت بجانبنا  لنصرة الحق العربى والإسلامى فى القدس؟  وماذا قدمنا من دعم لإخواننا فى القدس لنعزز صمودهم ونشد أزرهم وهم يدافعون عن الأقصى فى مواجهة الآلة العسكرية الهمجية لسلطات الاحتلال ؟ إسرائيل تسابق الزمن لاستثمار قرار ترامب وتطويره وخلق واقع جدىد ، فأصدر  الكنيست  ” قانون القدس الموحدة ” الذى يمنع أية حكومة إسرائيلية من التفاوض مستقبلا حول وضع المدينة  الموحدة ـ الشرقية والغربية ـ أو التنازل عن شبر منها باعتبارها العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل، ويصوت حزب الليكود الحاكم على مشروع قرار ملزم بفرض السيطرة الكاملة لإسرائيل على الضفة الغربية بما فيها القدس، وتعلن حكومة نتنياهو الشروع فورا فى بناء 300 ألف وحدة سكنية لليهود فى القدس الشرقية لتغيير خريطتها الدىموجرافية، وتعد خطة بعيدة المدى للاستيطان فى الضفة، وتبذل جهودا ضخمة لحث الدول على أن تحذو حذو الولايات المتحدة فى نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس . على الجانب الآخر يجرى تسريب مشروع السلام الجدىد الذى أعده ترامب، والذى يقضى بإقامة عاصمة للفلسطينيين فى مدينة أبودىس المجاورة للقدس مع إنشاء  جسر يربط هذه العاصمة بالمسجد الأقصى مع وعد أمرىكى بحث الحلفاء العرب على منح الكيان الفلسطينى الوليد معونات واستثمارات تساعد على بقائه على قيد الحياة، ثم يهدد ترامب بمنع المساعدات الأمرىكية عن السلطة الفلسطينية إذا لم تستجب لمبادراته . ورغم أن كل ما فعلته وتفعله أمرىكا وإسرائيل يعنى صراحة قتل عملية السلام وإنهاء لعبة التفاوض وإلغاء تمثيلية أوسلو بعد أن استوفت أغراضها إلا أن سلطة الأخ أبو مازن مازالت تتمسك بورقة أوسلو، وتتصور أنها ورقة ضغط حين تهدد بإلغاء الاتفاق وسحب اعترافها بدولة إسرائيل، بينما الواقع يؤكد أن السلطة لا  تمتلك أية أوراق للضغط غير العودة إلى الشعب الفلسطينى وانتفاضاته الحرة وإحياء خيار المقاومة، وهو الخيار الذى لا بديل عنه للصمود فى معركة القدس .

وليست مصادفة أن يجرى إشغالنا بصراعات داخلية وإرهاب وتناقضات مذهبية وطائفية حتى ندخل فى دوامات وحروب لا تنتهى ونستهلك قوتنا ومقدراتنا فى مواجهة عدو بديل وننسى القدس والأقصى،  وىصبح همنا الأكبر فى هذه المرحلة  متابعة مظاهرات إىران ومعركة سد النهضة والقضاء على الحوثيين باليمن وسقوط بشار فى سورىا وصعود حفتر فى ليبيا . ويبدو أننا جاهزون للنسيان، ولدينا القابلية والاستعداد، فقد تراجع الاهتمام  بقضية القدس،اكتفينا بالمؤتمرات والندوات والاجتماعات الوزارية التى لم تقدم شيئا غير الكلام الفاتر، نحن حتى لم نفكر فى استثمار قرار الجمعية العامة الذى تأكد أنه قرار ملزم وواجب التنفيذ ويحتاج فقط إلى من لديه الهمة والتصميم. الأكثر من ذلك أن هناك من إخواننا العرب من لا يزال يهرول صوب إسرائيل  سرا أو جهرا، متصورا أن بإمكانه أن ىستخدمها ضد إىران ، وهو مادفع عمرو موسى وزير الخارجىة الأسبق إلى تحذيرهم فى مقاله الأخىر بصحيفة الشرق الأوسط اللندنية تحت عنوان “رمال متحركة ورىاح عاصفة ” أنهم سوف يكتشفون أن إسرائىل هى التى تستخدمهم ، كما نبه إلى أن الاحتماء بأية دولة عظمى مسألة ثبت أنها لا طائل وراءها، وأن أمريكا لم تعد تمتلك 99٪ من أوراق اللعبة فى منطقتنا العربية، لأن الأوراق جرى ويجرى ترتىبها وتوزيعها فى القرن الجدىد، ولا عذر لنا كعرب إن لم نحصل على بعضها فى أيدينا، فعندنا من الامكانيات ما يؤهلنا لنقبض على بعض منها فى حوزتنا نلعب بها . والسؤال المهم هنا : هل لدينا الإرادة لذلك ؟ وهل لدينا القدرة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق