الرأى

تحية لأهل القدس

بقلم د /ناجح إبراهيم

في عصر أحد أيام يناير سنة 1948 كان الثلج يتساقط على القدس والرياح الباردة تعصف بشدة دخلت “حياة بلابسي” عليه مكتبه بإذاعة القدس العربية,عرف مأساتها فقد فقدت أباها منذ زمن, أما والدتها فكسيحة طريحة الفراش, وأختها صغيرة لا تقوى على شيء ,فوقع عليها عبء رعاية والدتها وأختها فضلاً عن كسب المعاش حيث لا مورد للأسرة , تركت الدراسة الثانوية وعملت كمدرسة إضافية في قرية ” دير ياسين” المجاورة للقدس براتب 8 جنيهات شهرياً.
كانت تترك القدس في السادسة صباحاً, تمر في طريقها على الأحياء اليهودية لتصل إلى دير ياسين ذهاباً وعودة , كانت تقطع 20 كيلومتراً يومياً في هذه الرحلة , تعلمت التمريض وكانت تمرض القرويين وتزور المرضى في أكواخهم, وتحول الحالات الصعبة إلى دائرة الصحة بالقدس .
أتمت عامها الأول في قرية”دير ياسين”فأحبها أهلها جميعاً , وأصبح اسمها مرادفاً للتربية والطهارة والوطنية الصحيحة .
عادت يوماً لبيتها في القدس فوجدت أمها قد فارقت الحياة , لم تنهزم أمام صروف الدهر , زاد مرتبها إلى 10 جنيهات ذهبت لتعيش في دير ياسين , وسكنت في نفس المدرسة , كانت لا تملك من حطام الدنيا شيئاً .
كانت “دير ياسين” محاطة بأربع مستعمرات صهيونية,خافت على نفسها ,كونت حامية من فتيات القرية خوفاً من هذه المستعمرات الصهيونية المدججة بالسلاح حول القرية .
غط سكان القرية في نوم عميق مثل كل ليلة , لم يعلموا أن فجر10 إبريل سنة 1948 سيكون بداية لأبشع مذبحة يرتكبها الصهاينة في حق الشعب الفلسطيني , وأن قريتهم ستكون بداية الزحف نحو القدس , وأن ألفين من العصابات الصهيونية المسلحة ستطبق على القرية وتفجر بيوتها واحداً تلو الآخر.
كان سكان القرية قرابة 400 فلسطيني ,انتهت المذبحة بمقتل 360 منهم وفر الباقون , كانوا يقتلون النساء والأطفال والشيوخ , وإذا قبضوا على فتيات قتلوهن فوراً ,جمعوا الجثث فوق بعضها وأحرقوها.
هبت “حياة” من نومها وهي في قميص النوم , هامت على وجهها في الحقول وبين التلال خوفاً من المهاجمين , بعدها وجدت نفسها في مكان أمين خارج القرية , كانت تستطيع اللجوء إلى أي قرية عربية ولكنها سمعت أنيناً بالقرب منها ,فاتجهت إلى مصدره وجدت أمامها جريحين من سكان “دير ياسين” تقدمت منهما , مزقت جزء من قميصها ضمدت جراحهما , استقر رأيها على وضعهما في مغارة قريبة حتى يأتي الهلال الأحمر أو تخبره بهما.
حملت أحدهما على كتفيها متجهة به إلى المغارة ,انطلق رصاص الصهاينة المهاجمين عليهم ,سقط الجريح قتيلاً , ولفظت “حياة” أنفاسها بطلقات أخرى, أما الجريح الثاني فقد كتبت له الحياة ليروى للدنيا كلها خاتمة ” حياة” وغدر العصابات الصهيونية وانتهاكها لكل المحرمات الإنسانية والدينية.
هكذا حكى الأديب الفلسطيني النابغة “نجاتي صدقي” جزءً من قصة مذبحة دير ياسين من خلال مأساة هذه الفتاة الفلسطينية التي قتلتها هذه العصابات وهي تحاول إنقاذ الجرحى وهي لا تحمل سلاحاً وقتلت غدراً من ظهرها .
كانت ضمن 360 قروياً بسيطاً قتلوا غدراً وخيانة وتفجيراً لبيوتهم وحرقاً لجثثهم , أما قرية دير ياسين فقد محيت من الوجود لتحل محلها مستعمرة إسرائيلية اسمها ” جفعات شاءول ” والتي صارت الآن جزءً من القدس الغربية المحتلة.
قصة وبطولات “حياة” لم يسجلها حتى الآن فيلم وثائقي أو روائي عربي, أو يلمسها قلم أديب يصوغها في سياق تاريخي صحيح يبين الظلم والبغي الذي وقع على الفلسطينيين , وكيف قتلتهم وهجرتهم واغتصبت بلادهم بغير حق تلك العصابات التي كونت دولة أًصبحت من أقوى دول المنطقة نتيجة التآمر البريطاني والتواطؤ الغربي والضعف والهوان العربي , وأًصبح العرب جميعاً يخطبون ودها ويقدمون لها القربان تلو الآخر فتبتلعه وتطلب غيره دون شكر أو رغبة في إعادة بعض الأرض بل رغبات متجددة في ابتلاع كل شيء.
ولم تعد تكتفي بأرض فلسطين حتى طمحت اليوم في مال الخليج فضلاً عن النفوذ الممتد في كل بلاد العرب مثل كردستان العراق وأصبحت معظم الفصائل المتقاتلة في سوريا , التي تقاتل بعضها صباحاً مساءً حتى إذا أتت عند إسرائيل رفعت لها قبعة الاستسلام .
انتصرت العصابات على ” حياة بلابسي” التي لم يهتم بها أو ينصرها أحد , ولم يعد يذكر تاريخها أحد , ولكن محكمة العدل في الآخرة ستفصل بينها وبين قاتليها وستثأر لها منهم , سلام على الشهداء في كل زمان , سلام على “حياة” رمز الحياة الأبدية , فهي حية لم تمت عند ربها وفي نفس كل وطني وعربي ومسلم .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات