الرأى

بالتى هى أحسن

إلى المسيحيين: عيد سعيد

بقلم: دإلهام شاهين

يحتفل المسيحيون فى هذه الآونة من كل عام بأعيادهم، وترد إلينا بهذه المناسبة الأسئلة: هل يجوز أن يُهنئ المسلمُ المسيحيين بأعيادهم؟ ويكثر الجدل لانتشار الفتوى التى تُحرِّم تهنئة المسيحيين فى أعيادهم! وهذه الفتوى تعتمد على دليل وحجة، أما الدليل فهو: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من تشبَّه بقوم فهو منهم” والحجّة هى: أن التهنئة معصية، لأن فيها نوع من الرضى بغير الإسلام دينا.

وقد أباح البعض أيضا من العلماء المحدثين تهنئة النصارى- المسالمين لنا- بعيدهم، واستند إلى تغيّر الأوضاع العالمية، وأن هذا من البر المأمور به المسلم لهم، وقد أتفق مع القول الثانى، وإننى إذ أتفق مع هذا الرأى المؤيد لتهنئة النصارى فى عيدهم، فلى على ذلك أدلة وحجج منها:

1- الحديث “من تشبَّه بقوم فهو منهم” قال كثير من علماء الحديث أن فى إسناده ضعف، ومن هؤلاء: الهيثمى والزركشى والسخاوى والصنعانى والعجلونى وحسان عبدالمنان وشعيب الأرناؤوط، وممن صححه أو حسنه أبو داوود وابن حبان والألبانى، الذى قال: رجاله ثقات، إلا ابن ثوبان ففيه خلاف.

2- التشبّه هو: عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المُتَشَبَّه به، وعلى هيئته وحليته ونعته، وصفته، وتكلّف ذلك وتقصّده وتعلّمه وليس من معناه أبدا التهنئة والمشاركة، وإنما يكون التشبّه بأن نحوّل الاحتفال بأعيادنا كاحتفالهم بأعيادهم ونتشبّه بهم فى أفعالهم الخاصة بهم كارتداء ملابس القساوسة والراهبات أو تعظيم الصليب أو غير ذلك مما يمحو الهوية الإسلامية ويجعل من المسلمين مسخا من غيرهم، عن قصد وتعمّد، وليس التشبّه مجرد التهنئة أو المشاركة بغير المحرّم علينا، ولكن التشبّه بهم أيضا أن تجعل احتفالك كمسلم فى عيد الفطر أو عيد الأضحى كاحتفالهم، فتفعل أفعالهم وتسلك مسلكهم فى أعيادهم وتتشبّه بهم فى أفعالهم المخالفة للإسلام، كتعميد الأطفال فى الكنائس، ولبس الصليب، وارتداء الملابس التى لا يلبسها غيرهم، أو تقوم أنت بالاحتفال بأعيادهم فى بيتك على طريقتهم أو على أى طريقة أخرى وأن تجعل عيدهم عيدا لك.

3- الإسلام أباح زواج المسلم من أهل الكتاب بإذن أهلها، وأباح له أن يَقبَلها كما هى، فلا يُكرهها على تغيير دينها، بل أمره أن يحترم مشاعرها ولا يؤذيها فى عقيدتها الدينية، بل وعدم التضييق عليها فى ممارسة شعائر دينها فى بيته، الذى هو بيتها، ومن ذلك إباحة الاحتفال بأعيادها ومناسباتها الدينية داخل بيتها بمشاركة زوجها وأبنائها.

4- الإسلام أمر الزوج بالتعامل مع زوجته بالمودة والرحمة والعدل بين الزوجات، ومن المودة والرحمة أن يأتى عيد زوجته المسيحية فيشاركها فيه، ومن العدل بين الزوجات أن يتزاور مع أهل زوجته المسيحية فى عيدهم، كما يحتفل مع زوجته المسلمة وأهلها فى عيدهم، ولا يمنع أبناءه منها من زيارة أخوالهم وخالاتهم وجدهم وجدتهم وسائر أهلهم لأمهم، وبرّهم ومشاركتهم فى أعيادهم .

5- إذا دخل إلى الإسلام أى إنسان فهو مأمور بالبرّ بوالديه المشركين والإحسان إليهما، لقوله تعالى: “وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)” سورة لقمان.

وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً، أَيْ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الْبِرُّ وَالصِّلَةُ وَالْعِشْرَةُ الْجَمِيلَةُ كما ورد فى كتب التفسير فإذا كان يوم عيدهما فلا يجافيهما بل يهنئهما ويتواصل معهما فى العيد، أما عدم التهنئة توهّم بأن الإسلام قد جعله جافَّا غليظ القلب معهما فيمتنع هو ويمنع زوجته وأبناءه، أى أحفادهما، من مشاركتهما فى الأعياد، وكيف يوفق شخص فى مثل هذه الظروف وهم فى الغرب كثير بين أمر الله بالبر بهما الوارد فى عدة مواضع فى القرآن الكريم، وبين الفتوى المعتمدة على حديث فى إسناده ضعف، وهو ليس نصا صريحا فى تحريم التهنئة؟!

6-  وذلك يأخذنا لبيان معنى البر وهو يعنى: “إيصال الخير إلى الغير مع قطع النظر عن محبتك له أو كراهيتك إياه” وهو الذى قال رسولنا فى معناه “البر حسن الخلق” وهو المقصود فى التعامل مع أهل الكتاب من أعمال الجوارح، وهو القول والفعل، وهو المقصود فى قوله تعالى: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” الممتحنة (8) فإذا أردت البرّ بهم المأمور به فى الآية فتتواصل معهم بكل أنواع الخير، بصرف النظر عن كونك مُحبّا لهم أم لا، ذلك بأمر الله لك أيها المسلم، ومن ذلك تهنئتهم فى الأعياد ومشاركتهم فى الأفراح والأحزان.

7- الأمر من الله ورسوله بالإحسان إلى الأهل والجيران، المسيحى والمسلم وغيرهم، فى القرآن والسنة وفى ذلك قال تعالى: “وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ” النساء (36) وكل هذه الأصناف من البشر أمرنا الله بالإحسان إليهم بصرف النظر عن ديانتهم، والإحسان هو الإخلاص وتقوى الل،ه والإحسان مع البشر هو فعل الخيرات على أكمل وجه، ابتغاء مرضات الله. ومن أبواب الخيرات والإحسان التهنئة فى الأعياد والمشاركة فى الأفراح والأحزان.

 

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق