الرأى

الورقة القبطية

بقلم: مؤمن الهباء

لم تكن مصر طائفية عبر تاريخها ولن تكون، ولم يعرف شعبها التعصب الطائفى أو الدينى إلا فى مراحل الضعف والانكسار والانحطاط الحضارى ، ومع ذلك فإن أعداء مصر لعبوا ويلعبون وسيلعبون كثيرا على وتر الطائفية ،  فى محاولة لشق صفوفنا وإحداث شروخ فى جدار الوطنية المصرية ، وهم الآن يركزون على اللعب بالورقة القبطية ، فلم يعد هناك أجانب يطلبون الحماية من الخارج , ولم تعد قضية النوبة مشتعلة كما أرادوا .

الإرهابيون يدركون جيدا حساسية الورقة القبطية فيوجهون ضرباتهم إلى الكنائس فى الأعياد والمناسبات السعيدة حتى يكون دوى إجرامهم على أوسع نطاق ، والكونجرس الأمريكى جاهز كالعادة لتلقى هذه الرسائل القذرة كى يعد المذكرات  التى لا تدين  الإرهابيين وتضعهم فى مكانهم وحجمهم الطبيعيين ، وإنما تعكس الصورة وتدعى أن الأقباط يعانون من الاضطهادالدينى والتهميش فى مصر ، وقس على ذلك ما تفعله بعض المراكز البحثية فى الغرب عموما التى يحلو لها أن تصف المسيحيين فى مصر كأقلية دينية مظلومة تتعر ض للاعتداءات المسلحة وهى ترى بأم عينها أن ما تتعرض له الكنائس تتعرض له المساجد على حد سواء ، فالإرهاب الأسود لايفرق بين مسجد وكنيسة أو بين مسلم ومسيحى ، فقط يختار لضربته  المكان والزمان المناسبين بما يحقق أهدافه .

وهكذا يتم توظيف جرائم الإرهاب لخدمة الأهداف البعيدة لأعدائنا ، وهى أهداف ليست مستحدثة وليست خافية على أحد ، وإنما هى أهداف قدبمة ومعلنة منذ الحملات الصليبية ثم الحملة الفرنسية فالحملة البريطانية وأخيرا الحملة الأمريكية التى مازالت مستمرة إلى الآن ، ونحمد الله أن القطاع الأكبر من إخواننا الأقباط وعلى رأسهم الكنيسة والبابا تواضروس يتمتعون بالوعى الكافى لمواجهة هذه الحملة الأمريكية الخبيثة بتأكيدهم الدائم على وحدة اللحمة الوطنية المصرية التىلاتفرق بين أبنائها بسبب الدين أو العرق أو اللون أو الجنس ، فكلنا فى حق المواطنة وأمام القانون سواء ، وكلنا أمام خطر الإرهاب سواء.

لكن ما يؤسف له حقا فى هذا الصدد أن بعضا منا يتعمد التعامل فى هذا الملف الشائك بخفة واستهتار وعدم اكتراث ،ففى خضم معاركنا الكبرى فى قضية القدس وقضية الإرهاب تشتعل أزمة فى إحدى قرى الصعيد بسبب بناء كنيسة غير مرخصة مع أن لدينا الآن قانون يحسم مسألة بناء الكنائس والمساجد ويجب أن يطبق على الجميع وبكل حسم منعا لأية مزايدات .

وفى خضم معاركنا وهمومنا الوطنية يظهر سائل ليسأل عن جواز تهنئة الأقباط بأعيادهم ومناسباتهم الدينية ، وكأن صاحب السؤال  لا يعيش فى مصر التى يتبادل فيها المسلمون والمسيحيون التهانى والتعازى فى كل المناسبات ويتشاركون المأكل والمسكن كأسرة واحدة على مدى تاريخهم الطويل ، ولا يعرفون الفصل العنصرى أو الفصل الطائفى الذى تعيشه مجتمعات أخرى .

السؤال جديد علينا وغريب وسخيف ، ومع ذلك تنخرط المؤسسة الدينية فى الإجابة عليه وتتعمد تكرار الإجابة وتقديم الأدلة الشرعية وتحسب أنها تحسن صنعا ، وكأن تهنئة المسيحيين بدعة مستحدثة فى مصر وليست سلوكا يوميا اعتدنا عليه ، وبالتالى يصبح السؤال عن جوازه نوعا من التنطع فى الدين .

الأغرب من هذا أن يسأل سائل آخر عن جواز الأكل من طعام أهل الكتاب ، وينشط مركز الأزهر العالمى للفتوى ودار الإفتاء للتأكيد على أن الأكل من طعام وذبائح أهل الكتاب جائز ، ولا أدرى إن كان المقصود بأهل الكتاب هنا إخواننا ام الأقباط الذين يعيشون معنا ونأكل من أكلهم ويأكلون من أكلنا دون تفرقة ، أم أن المقصود هم أهل الكتاب فى الخارجالذين يمنحوننا المعونات ، وقد كان الأولى أن يكون السؤال عن جواز تلقى المعونات من أهل الكتاب دون أن نكد ونتعب ليكون طعامنا من أرضنا ومن ضرب فأسنا .

كان السؤال الأهم : هل يجوز للمسلمين أن بمدوا أيديهم للحصول على طعامهم من الخارج وقد أفاء الله عليهم بالأرض والماء والمال لكنهم ركنوا إلى الكسل والخمول فلم يفلحوا الأرض ولم يقيموا المصانع التى تكفيهم بإنتاجها وتجعلهم سادة فى بلادهم ليس لأحد كلمة عليهم ؟

هنا ستكون الإجابة الصحيحة أنه لا يجوز للمسلمين أن يستسلموا لهذا الهوان بعد أن أعزهم الله ، وقد أصبح فرضا عليهم اليوم أن يتكاتفوا ويتعاونوا تحت أى مسمى لتحقيق الاكتفاء الذاتى من الطعام لأمتهم وشعوبهم ، فالأمن الغذائى هو الضمانة الأولى للأمن السيادى  ، والشعوب التىلاتأكل من ضرب فأسها لايكون قرارها من رأسها كما قال مولانا الشيخ الشعراوىالله يرحمه .

لو أن طعامنا من ضرب فأسنا ما استطاع ترامب أن يحصل على 460 مليار دولار فى أول زيارة إلى بلادنا ثم يعود إلى البيت الأبيض ليعلن اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ،وفى الوقت ذاته يقر الكونجرس مشروعا لمراقبة تغيير المناهج الدراسية الدينية فى السعودية ويناقش مذكرة ادعاءات كاذبة عن اضطهاد المسيحيين فى مصر .

أرأيتم كيف نترك الأسئلة الجادة ، أسئلة الوجود ، لنسأل عن الهزل ، عن القضايا التى قتلت بحثا وحسمت على يد أجدادنا من مئات السنين ،  وكأننا ندور فى حلقة مفرغة ، ونريد إعادة اكتشاف  العجلة ، ونعمى عن مناقشة  قضايانا الحقيقية .

إخواننا المسيحيون جزء أصيل من أمتنا ، ومكون أساسىفى مجتمعنا ، ولم يعد مستساغا اليوم طرح أسئلة محرجة وسخيفة عن جواز تهنئتهم أو أكل طعامهم ، وإنما السؤال يكون عن كيف نعمل معا على بناء مجتمع قوى متماسك ، لكى نسحب الورقة القبطية من أيدى أعدائنا فلا تكون وسيلة ضغط علي وطننا مصر .

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات