الرأى

الموقف الشرعي والقانوني من زواج القاصرات

بقلم: د. هشام الصافى.. جامعة حلوان

ازدادت ظاهرة زواج القاصرات بشكل ملفت هذه الأيام نتيجة لفقر الأسر وطغيان المادة مما يجعل أسرة القاصر تتعامل معها على أنها سلعة تُباع وتُشتري، بتزويجها برجال يكبروهن سنًّا بشكل مبالغ فيه رغبة في الكسب، والثراء المادي السريع، إما مباشرة أو انتظاراً للميراث من الزواج بطاعن في السن أو للتخلص من الالتزامات المُلقاة علي عاتق الأسرة من إطعام وإلباس وتعليم للقاصر.

اغتصاب شرعى!

ومن هنا يري البعض أنه لا فرق بين اغتصاب طفلة سِرًّا، وزواجها علنا، لما يترتب عليه من آثار خطيرة على الفرد والمجتمع، نتيجة ارتفاع معدلات الطلاق حيث لا يستمر هذا الزواج سوى أسابيع قليلة.

هذا بالإضافة لسوء معاملة الزوج لزوجته واستغلالها جنسيا، مما يعرِّض القاصر إلي الأمراض الجنسية، وما تتعرض له القاصر من حمل مبكر ومتكرر مما يؤدى إلي انتهاكها بدنيا، كما كان سببا في ارتفاع نسبة والوفيات من الأمَّهات والأطفال، لذلك كان من الضروري معرفة رأى الشرع والقانون في هذه المسألة.

لَبِنَة الأُسْرَة

الرأي الشرعي: نظرا لأن الأسرة تعتبر لبنة من لبنات المجتمع الإسلامي التي تقوم عليه، فعني بها الإسلام أعظم عناية، واهتم بأسس تكوينها اهتماما عظيما، ويعتبر تحديد سن الزواج بسِنٍّ معينة من قضايا الواقع المعاصر وهي محل خلاف بين الفقهاء المتقدمين والمعاصرين على حد سواء، فقد اتفقوا على أن الزواج من حيث مشروعيته جائز ومشروع، كما اتفقوا على جواز تقييد المباح للمصلحة، واختلفوا في حكم تحديد سن معينة للزواج على مذهبين.

تحديد السِنّ

المذهب الأول: جواز تحديد سن الزواج وتقييده بسن معينة، وهو ما ذهب إليه عدد من العلماء والفقهاء، وأدلتهم في ذلك من الكتاب والسنة: ورد في كتاب الله قوله تعالى: “وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ” النساء:6.

التأهّل للزواج

وقد فسَّر هذا الجانب من الفقه المقصود من قوله عز وجل “بلغوا النكاح” هو صلاحية كل من الزوج والزوجة للزواج وتحمل مسؤولياته وتبعاته، وهذا ما ذهب إليه العديد من المفسِّرين، كما ذهبوا إلى أن البلوغ كما يكون بالعلامات الطبيعية فكذلك يكون بالسن.
كما استندوا إلي ما ورد في السنة النبوية مما رواه أبو هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلي الله عليه وسلم من قوله: “لا تُنكح البكر حتى تُستَأذن ولا الثيّب حتى تُستأمَر، فقيل: يا رسول الله، كيف إذنها؟ قال: إذا سكَتَت”.

سن الرُشد

واستدلوا بهذا الحديث على أنه لا يجوز تزويج القاصر التي لم تبلغ خمس عشرة سنة، فلابد أن تكون بالغة راشدة حتى يتسنى أخذ إذنها ومشورتها، وذلك لا ينطبق على من لم تبلغ خمس عشرة سنة، كما أن مقاصد الشريعة الإسلامية الخمس هي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، لا يمكن تحقيقها بالكامل إلا في إطار ما رواه ابن عمر- رضي الله عنهما- عن النبي- صلي الله عليه وسلم- من قوله: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”.

مسئولية الولىّ

ومن هذا الحديث يري هذا الجانب أن الشرع أتاح لولي الأمر اتخاذ كل ما فيه إصلاح لشأن الرعية، وفعل ما هو أدعى لحفظ المصلحة العامة، بشرط ألا يتعارض ذلك مع نص صريح في الكتاب أو السنة، فيحق له إصدار قانون بتحديد سن معينة.

إطلاق السِنّ

المذهب الثاني: قال بعدم جواز تحديد سن معينة للزواج، وأدلتهم في ذلك من الكتاب السنة، فقد ورد بكتاب الله قوله تعالى: “وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ”.

زواج اليتيمة

واستدل هذا الجانب من هذه الآية أنها حثَّت على الزواج ورغَّبت فيه دون تحديد سن معينة له، حيث أفادت تزويج اليتيمة وهي لم تصل بعد سن البلوغ، كما انتقدوا رأى المذهب السابق مستندين لقول الله تعالي “أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ” الشورى: 21.

مخالفة النص

والذي استدلوا منه على أن الشريعة لم تضع حدًّا لسن الزواج، ولم يرد نص شرعي بذلك، وأن قانون تحديد سن الزواج، فيه مخالفة للنصوص الشرعية، وفيه تبديل وتعديل لما جاء في كتاب الله عز وجل من إباحة تزويج الصغار.

النبى القدوة

أما ما استدلوا به من السنة النبوية فهو حديث زواج النبي- صلي الله عليه وسلم- من أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- وفيـه: “أن النبي تزوَّجها وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعا”.

وقالوا في الاستدلال على هذا الحديث بأنه دل بمنطوقه على أن النبي تزوَّج بأم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- وكانت قاصرا لم تبلغ الخامسة عشر من عمرها، وبالتالي جواز تزويج القاصرات دون تحديد سن معينة.

الرأى القانونى

أما الرأي القانوني في زواج القاصرات: أخذ المشرِّع المصري بالرأي الفقهي الأول فقد نص القانون رقم 143 لسنة 1994 في المادة(5/1) علي “ألا يجوز توثيق عقد زواج لمن لم يبلغ من الجنسين 18 سنة ميلادية”، أي يمنع الزواج لمن هو دون الـ18 سنة وهو ما يتوافق مع ما نصت عليه المادة (80) من الدستور المصري على أنه “يعد طفلاً كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره”، وهو ما يتفق مع ما ورد بالمادة (2/1) من القانون المصري رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون 126 لسنة 2008 على أنه” يقصد بالطفل في مجال الرعاية والمنصوص عليها في هذا القانون كل من لم تتجاوز سنه الثماني عشرة سنة ميلادية كاملة”.

الواقع.. غير!

وعلى الرغم من أن القانون المصري قد قنَّن لسن الزواج ووضع حدا أدنى له، إلا أن الواقع يخالف ذلك فهناك زيجات كثيرة تتم تحت هذا السن، وذلك إما عن طريق العقود العرفية التي تتم المصادقة عليها بعد بلوغ الزوجة السن القانوني، وهو ما يعد نوعا من التحايل، الذي يجب أن يواجَه بتشريع يضع عقوبات قانونية جنائية على والد الفتاة الذي يقوم بتزويج ابنته قبل بلوغها سن الزواج القانوني، تصل للحبس والغرامات المالية الضخمة، مع إلغاء نظام المصادقة علي عقود الزواج العرفية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات