الرأى

المقاصد القرآنية في العمل الإنساني

حجازي عبدالنبي.. كاتب وباحث في الشؤون الإسلامية

لقد خلق الله عز وجل الإنسان وجعله خليفة له في الأرض، بل أمر الملائكة بالسجود له، وفي ذلك دلالة على جعل هذا المخلوق أحد أهم عناصر ومكونات الحياة على ظهر الأرض، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة:30). فالحقيقة الكبرى، التي اختصه الله بها دون باقي مكونات الحياة على ظهر الأرض، هي عمارة الأرض والنهوض بها لمستوى لائق بإقامة مجتمع فاضل يسوده الحب والمودة والسعي في تحقيق الحياة الكريمة له، وإقامة حضارة إنسانية راقية تتمثل في عمل إنساني.

مفهوم المقاصد

لغة: جمع مقصد، من قصد الشيء، وقصد له، وقصد إليه قصدا، من باب ضرب، بمعنى طلبه، وأتى إليه، واكتنزه، وأثبته. والقصد: هو طلب الشيء، أو إثبات الشيء، أو الاكتناز في الشيء، أو العدل فيه.

ومقاصد الشريعة في اصطلاح العلماء هي: الغايات والأهداف والنتائج والمعاني التي أتت بها الشريعة، وأثبتتها في الأحكام، وسعت إلى تحقيقها وإيجادها والوصول إليها في كل زمان ومكان.

مقاصد العمل الخيري والإنساني: هو مقصد من المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يهدف إلى منفعة الإنسان أيا كان لونه وجنسه وموطنه، يقول ابن سينا: «إن الخير هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجوده».

فحينما نقول العمل الإنساني فهو عمل خيري يقول علماء اللغة إن كلمة «الخير تشير إلى كل ما فيه نفع وصلاح، أو ما كان أداة لتحقيق منفعة أو جلب مصلحة».

وعليه، فإن الخيرية هي صفة لمن يشعر بآلام الآخرين، ويرغب في تحقيق سعادتهم، أو في دفع الأذى عنهم والتخفيف من معاناتهم، يقول أبوهلال أيضا: «إن الإنسان يجوز أن يفعل بنفسه الخير، كما يجوز أن ينفع نفسه بالخير، ولا يجوز أن ينعم عليها؛ فالخير والنفع من هذا الوجه متساويان. والنفع هو إيجاب اللذة بفعلها، أو السبب إليها، ونقيضه الضر، وهو إيجاب الألم بفعله أو التسبب فيه».

العمل الإنساني الخيري والمصلحة الضرورية

لقد شرع الإسلام الحنيف لكل مصلحة ضرورية للناس أحكاما تنمي فكرهم ووجدانهم، وتسعى في إيجادها وتكوينها، وتحفظ لهم صيانتهم والوقوف بجانبهم فهي متكاملة ومتممة؛ لتأمين المصالح الحاجية والتحسينية لكل مصلحة ضرورية، وذلك ليؤمن للناس حفظ الضروريات، ويكفل بقاءها واستمرارها، ثم أباح الله تعالى المحظورات إذا تعرضت المصالح الضرورية للخطر والتهديد.

وتنحصر المصالح الضرورية للناس في خمسة أشياء، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل أو العرض أو النسب، والمال. ولقد جاءت الشريعة الغراء لحفظ هذه المصالح الضرورية، وذلك بتشريع الأحكام التي تحفظ الدين، وتحفظ النفس، وتحفظ العقل، وتحفظ النسل أو العرض أو النسب، وتحفظ المال.

وقد جعل الشارع الحكيم للناس من الأحكام والحاجيات والتحسينات ما به يحفظ عليهم أعراضهم ودينهم، محافظا بذلك على الذات الإنسانية؛ فشرع الكسب للرزق الحلال النافع، واهتم بالتوجيه والإرشاد لرعاية البدن ومراعاته ليكون طاهرا نظيفا في كل الأوقات، واعتبر هذا الجسم السليم والقوة الجسدية ميزة في الأشخاص، يقول رسولنا: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خيـر. احرص على ما ينفعـك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان». وفي الحديث علاج لأمراض النفس، حتى لا يسيطر عليها القلق والاضطرابات والمؤثرات الخارجية.

إن العمل الخيري يجعل في النفس ارتياحا وطمأنينة، ويضفي على المجتمع استقرارا ورخاء وسكينة، ويخفف الآلام والمعاناة عمن يتألم ويتأوه من أوجاعه وأحزانه. والهدف من هذه الأعمال الخيرية والإنسانية هو تحسين نوعية ومنهجية الحياة التي يحياها الإنسان، وكيف يمكن له أن يتغلب على مشكلات الحياة ومتاعبها، ويساهم في السعادة التي يتمناها بعض البشر ولا يجدونها.

العمل الإنساني الخيري والتكافل الاجتماعي

إن مفهوم التكافل في الإسلام يشتمل على معاني البر والصلة والإحسان والوقوف بجانب أهل الفقر والعوز، والزكاة بجميع أنواعها، وكل ما يتصل بهذه الألفاظ؛ مما يعطي معنى التعاطف والتراحم والتعاون المستمر اليقظ بين أبناء المجتمع. ومتى كان المجتمع خاليا من البطالة والفقر والخلاف والشقاق، فإنه بلا أدنى شك، سينعم ويطمئن بتعاون أفراده لخدمة بعضهم بعضا للنهوض بمجتمعهم.

عرف الإمام محمد أبو زهرة رحمه الله «التكافل الاجتماعي» قائلا: «يقصد بالتكافل الاجتماعي في معناه اللفظي أن يكون آحاد الشعب في كفالة جماعتهم، وأن يكون كل قادر أو ذي سلطان كفيلا في مجتمعه، يمده بالخير، وأن تكون كل القوى الإنسانية في المجتمع متلاقية في المحافظة على مصالح الآحاد، ودفع الأضرار، ثم المحافظة على دفع الأضرار عن البناء الاجتماعي، وإقامته على أسس سليمة».

ويعرفه الشيخ عبدالله ناصح علوان رحمه الله قائلا: «أن يتضامن أبناء المجتمع ويتساندوا فيما بينهم، سواء أكانوا أفرادا أم جماعات، حكاما أم محكومين، لاتخاذ مواقف إيجابية؛ كرعاية اليتيم، أو مواقف سلبية؛ كتحريم الاحتكار بدافع من شعور وجداني عميق، ينبع من أصل العقيدة الإسلامية؛ ليعيش الفرد في كفالة الجماعة، وتعيش الجماعة بمؤازرة الفرد؛ حيث يتعاون الجميع ويتضامنون لإيجاد المجتمع الأفضل، ودفع الضرر عن أفراده».

يقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة:2)، إن المتأمل في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المطهرة ليدرك من خلالها أنها تدعو لفعل الخير والوقوف بجانب أهل الفقر والعوز من المسلمين، وفي ذلك دلالة على التكافل الاجتماعي، يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: «ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد – يعني مسجد المدينة – شهرا» ؛ وأيضا: «خير الناس أنفعهم للناس» وهذا فيه من الدلالة ما يكفي لفعل الخير وعلو مكانة فاعله، وفيه أيضا حث على ضرورة القيام بمعاونة الناس جميعا وأن يتخذ العون كل أشكاله، يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ? وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} (الأنبياء:73). إن التكافل الاجتماعي والوقوف بجانب الدولة للنهوض بالمجتمع لهو أمر حتمي وضروري؛ يظهر ذلك في الأزمات والمحن، والأوضاع غير الطبيعية التي من الممكن أن يمر بها المجتمع، ويلعب التكافل دورا بارزا في النهوض بالمجتمعات الفقيرة أو غير المستقرة.

إن الإسلام يريد أن يجعل من الحي والشارع وحدة متكاملة متعاونة؛ بحيث يحمون ضعفاءهم، ويطعمون جائعهم، ويكسون عاريهم، وإلا برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله، ولم يستحقوا الانتماء إلى مجتمع المؤمنين.

إن التكافل الحقيقي هو التكاتف والتعاون لإيجاد فئة تشيع حب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (آل عمران:104).

إذن فكل فرد في المجتمع الإسلامي مسؤول في موقعه – مهما اختلفت المستويات والطاقات والأمكنة والأزمنة – لإشاعة المعروف وإزالة المنكر؛ يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». كما أن المجتمع، أفرادا وحكومات، مسؤول عن حماية دماء الناس وأعراضهم وأموالهم؛ يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه» ؛ وذلك ليشيع الأمن والخير والحب في المجتمع».

إن المجتمع الحق هو المجتمع الذي تتماسك أركانه، بمعنى أن يكون بين أفراده تعاون وتفاهم وتناسق ومودة ورحمة. وإنه لمن الضروري أن يستمر بقاؤه وتماسكه حتى لا تهدمه نوازل الزمن وأعباء الحياة، وأن يكون عرضة للخراب والدمار.

وختاما أقول: لقد جاءت الشريعة الغراء، متمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، موجهة ومصلحة للأوضاع المحيطة بالإنسان، ووضعت من الحلول والنظريات ما لو تمسك بها البشر لتجاوزوا النكبات والأزمات ونهض كل منا بوطنه ومحيطه، ولقد أكد القرآن الكريم، مرارا وتكرارا، على حماية الإنسان، ووضع من الوسائل والسبل ما يمكن به أن نحافظ على القضايا الضرورية التي تكفل لنا حياة سعيدة هادئة مطمئنة؛ لأن كل منا يتأثر بمحيطه وواقعه، لذلك وجب على المصلحين أن يقوموا بدورهم في التوجيه والإرشاد والعمل بجدية وعدم الركود لترشيد الإنسان وتقويمه بمعيارية مقاصد الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات