الرأى

المسؤولية الاجتماعية فريضة غائبة

بقلم: الشيخ رسمي عجلان

اهتم الإسلام منذ ظهوره بمفهوم المسؤولية الاجتماعية بشقيه، سواء مسؤولية جلب المنفعة للمجتمع، أو مسئولية دفع الضرر عنه، ويتضح ذلك جلياً في نصوص الشرع الحنيف، ومن ذلك: قوله (صلى الله عليه وسلم): (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فالأميرُ الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيته، ألا كلكم راع وكُلُّكم مسؤول عن رعيته) (البخاري)، وقوله (صلى الله عليه وسلم): (لا ضرر ولا ضرار) فلا يجوز للمسلم أن يتسبب في اضرار نفسه أو الحاق الضرر بالآخرين أو بالبيئة أو بالمجتمع، في سبيل تحقيق أهدافه الشخصية، وقد سبق الإسلام الفكر الغربي في الدعوة إلى المسؤولية الاجتماعية؛ فالمسؤولية الاجتماعية هي تنمية للجانب الخلقي الاجتماعي في شخصية المسلم، أي أن تنمية المسؤولية الاجتماعية جزء من التربية العامة للشخصية المسلمة، وتربيتها من جوانبها كافة؛ فالإنسان ابن بيئته الاجتماعية والطبيعية والثقافية؛ يتعلم منها ما يساعده على استمرار حياته الاجتماعية بتصوراتها ومبادئها التي تقوم عليها، حيث أن المسؤولية الاجتماعية في أصلها تكوين أسري ديني مجتمعي مستمر بأشكال مختلفة وبرامج متنوعة، حتى تصبح ثقافة عامة في المجتمع، وتكون جزءً من الحركة الاجتماعية العامة؛ والعمل الاجتماعي بجوانبه المختلفة والالتزام به وتنميته جزء مهم في علاقة الفرد بالمجتمع، ولذلك فقد رسمت الحقوق والواجبات في شكل تعليمات مكتوبة أو غير مكتوبة وتنظيمات ونظم، وذلك للتصدي لحالة التمزق أو التشتت، أو الفوضى أو الفقر أو الجهل أو أي طارئ ممكن أن يصيب الفرد والمجتمع، بل أكدت المسؤولية الاجتماعية على بناء المجتمع والاستمرار في التماسك والتوازن، من خلال الكثير من المعطيات العقدية واللغوية والفكرية والمادية للمجتمع، وشرعت الأعمال الاجتماعية والتطوعية والدعوة إليها، والنموذج الإسلامي الأول للأمة وللمجتمع في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) مثال يحتذى به في مختلف مناحي الحياة للمجتمع في كل زمان ومكان؛ فصور التفاعل الاجتماعي بين الصحابة والمجتمع والتكافل والتعاطف شكلت هذه المثالية، وأصبحت مثال حي للأجيال القادمة، لذا الواجب على كل مسلم أن يستشعر دوماً مراقبة الله تعالى له، ويدرك مسئوليته أمام الله تعالى وأمام أفراد مجتمعه؛ قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة:105]، وعن معاذ بن جبل قال: قال (صلى الله عليه وسلم): (لن تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل به) (المنذر.

ولقد أدرك معاذ هذه المسؤولية فهو يحدث عند موته بحديث خاف أن يكتمه أن يلجم بلجام من نار يوم القيامة؛ فقال: كنت رديف رسول الله على حمار فقال: يا معاذ، قلت: لبيك يا رسول الله ثلاثاً: قال: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله صادقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار) قال؛ قلت: يا رسول الله أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال: (إذن يتكلوا). (البخاري)؛ فأخبر به معاذ عند موته تأثماً وتحمله للمسؤولية المجتمعية، فالمسلم الحق لا يبتغ بعلمه وعمله إلا مرضاة الله، والوصول إلى الحق وتعليم الأمة ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، والمسلم الحق هو الذي يدرك هذه الأخطار والشائعات والشعارات الهدامة ويسعى دائماً إلى تحديد مسؤوليته تجاها وتجاه مجتمعه، ويحدد وسائله التي تساعده في التصدي للأفكار الهدامة والتيارات المتطرفة، وتبني الأفكار التي تجلب النفع لبلده ومجتمعه، وبذل الأسباب والمسببات للوصول إلى النتائج المرجوة، وكلما ازداد المسلم علماً ازداد مسؤولية وزادت حاجة الناس إليه، وعظمت مسؤولياته، ولهذا يقول أبو الدر(إنما أخشى من ربي يوم القيامة أن يدعوني على رؤوس الخلائق  فيقول لي: يا عويمر؛ فأقول لبيك رب؛ فيقول: ما عملت فيما علمت؟) (المنذر)، والمسؤولية المجتمعية تلزم المسلم أن يكون ذو أمانة وصدق فيما يدعو إليه وفيما يعمل ويهدف إليه، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (تناصحوا في العلم فإن خيانة أحدكم في علمه أشد من خيانته في ماله وأن الله سائلكم يوم القيامة) (المنذر)، فالتناصح الاجتماعي والتواصي بالحق والتواصي بالصبر في المجتمع من شريعة الله، وحرماته الذي لا يدع منكراً ولا يقر على ترك أصل من أصول، بل يأمر المقصر ويأخذ بيده ليعينه على نفسه أو على تربية أولاده بلا مداهنة، كما قال (صلى الله عليه وسلم): (مَثَلُ المُدْهن في حدودِ اللهِ والواقعِ فيها مَثَلُ قومٍ استَهموا سفِينةً فصار بعضُهم في أسفَلِها وصار بعضُهم في أعلاها، فكان الذين في أسفَلها يَمرُّون بالماءِ على الذين في أعلاها، فتأذَّوا به، فأخذَ فأساً فجعلَ يَنقُرُ أسفلَ السفينةِ، فأتَوهُ فقالوا: ما لك ؟ قال: تأذيتم بي ولا بُدَّ لي منَ الماء، فإن أخذوا على يديهِ أنجوْهُ ونجَّوا أنفُسَهم، وإن تَركوهُ أهلَكوهُ وأهلَكوا أنفُسَهم) (البخاري).

والناظر إلى موقف الصحابة من العمل والمسئولية الاجتماعية يجدهم يعملون بما يقولون، فهذا علي بن أبي طالب يقول: (لا يستحي أحدكم إذا لم يعلم أن يتعلم! وإذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم!) (جامع بيان العلم وفضله)، وجاء إلى الإمام مالك رجل من الأندلس قال له: يا إمام أريد أن أستفتيك في كذا وكذا؛ فقال مالك: لا أدري؛ قال الرجل: يا إمام هذا سؤال ليس بالصعب؛ قال مالك: لا أدري. قال الرجل: يا إمام لقد جئتك من الأندلس لأسألك فتقول لا أدري؟ فماذا أقول للناس؟ قال: قل لهم مالك قال: لا أدري. فقال الرجل: لم كل هذا؟ قال مالك: يا رجل أنا لا أدري ماذا تفعلون في الأندلس، ولا كيف تعيشون، فكيف أفتي وأنا لا أعرف كيف يعيش الناس عندكم، اسأل من يعرف الأندلس!!! انظر إلى المسؤولية الاجتماعية عن الإمام مالك! وعدم الفتوى بغير علم! ثم أن من تمام المسؤولية وكمال تحملها أداء الأعمال في أوقاتها وعدم تأخيرها فهذا عمر بن الخطاب يوصي كتابه فيقول: (أن القوة على العمل ألا تؤخر عمل اليوم لغد؛ فإنكم أن فعلتم ذلك تداعت عليكم الأعمال؛ فلا تدرون بأيها تبتدرون وأيها تأخرون)، وللحديث بقية. هذا والله من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات